من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمَأْمُون يعْفُو عَن الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك وَيمْتَنع عَن استخدامه
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، وَمُحَمّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، وَأَلْفَاظهمْ تزيد وتنقص.
وَأَخْبرنِي بِبَعْضِه مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع، من آخِره، وقصة وُصُوله إِلَى الْمَأْمُون، وَلم يذكر مَا قبل ذَلِك، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه، وَلم يقل وَكِيع عَن أَبِيه، وَاللَّفْظ فِي الْخَبَر لِابْنِ أبي الْأَزْهَر، وَحَدِيثه، ثمَّ قَالَ: كنت بَين يَدي الْمَأْمُون قَائِما، فَدخل ابْن البواب الْحَاجِب، برقعة فِيهَا أَبْيَات، فَقَالَ لَهُ: أتأذن فِي إنشادها؟ قَالَ: هَات، فَأَنْشد:
أجرني فَإِنِّي قد ظمئت إِلَى الْوَعْدمَتى ينجز الْوَعْد الْمُؤَكّد بالعهد
أُعِيذك من خلف الملول وَقد ترىتقطع أنفاسي عَلَيْك من الوجد
رأى الله عبد الله خير عبادهفملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ
أَلا إِنَّمَا الْمَأْمُون للنَّاس عصمَةمُمَيزَة بَين الضَّلَالَة والرشد
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت يَا عبد الله وظنها لَهُ.
فَقَالَ: بل أحسن قَائِلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: وَمن هُوَ قَائِلهَا؟ قَالَ: عَبدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك.
فقطب، وَقَالَ لَا حَيا الله من ذكرت، وَلَا بياه، وَلَا قربه، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل:
أعيني جودا وابكيا لي مُحَمَّدًاوَلَا تذخرا دمعا عَلَيْهِ وأسعدا
فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّدوَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهِ مبددا
وَلَا فَرح الْمَأْمُون بالعيش بعدهوَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا
هَذَا بِذَاكَ، وَلَا شَيْء لَهُ عندنَا.
فَقَالَ ابْن البواب: فَأَيْنَ فضل أَمِير الْمُؤمنِينَ، وسعة حلمه، وعادته فِي
الْعَفو؟ فَأمر بإحضاره.
فَلَمَّا حضر، سلم، فَرد ﵇ ردا خفِيا، ثمَّ قَالَ: أَخْبرنِي عَنْك، هَل عرفت، يَوْم قتل أخي - هاشمية قتلت، أَو هتكت؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَمَا معنى قَوْلك؟:
وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتيمحارم من آل النَّبِي استحلت
ومهتوكة بالخلد عَنْهَا سجوفهاكعاب كقرن الشَّمْس حِين تبدت
إِذا خفرتها روعة من مُنَازعلَهَا المرط عاذت بالخضوع ورنت
وسرب ظباء من ذؤابة هَاشمهتفن بِدَعْوَى خير حَيّ وميت
أرد يدا مني إِذا مَا ذكرتهعلى كبد حرى وقلب مفتت
فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطةوَلَا بلغت آمالها من تمنت
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أَن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني.
فَدَمَعَتْ عينا الْمَأْمُون، وَقَالَ قد عَفَوْت عَنْك وَأمرت لَك بإدرار أرزاقك عَلَيْك، وإعطائك مَا فَاتَ مِنْهَا، وَجعلت عُقُوبَة ذَنْبك، امتناعي عَن استخدمك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع