من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن مقلة ينفذ من سجنه رقْعَة إِلَى الْوَزير ابْن الْفُرَات
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، عَن أبي عبد الله زنجي الْكَاتِب، قَالَ: لما نكب أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، أَبَا عَليّ بن مقلة، فِي وزارته الثَّالِثَة، لم أَدخل إِلَيْهِ فِي الْحَبْس، وَلَا كاتبته متوجعا لَهُ، وَلَا راسلته بِحرف، خوفًا من أَن يرقى ذَلِك إِلَى ابْن الْفُرَات.
وَكَانَت بيني وَبَين ابْن الْجراح مقلة مَوَدَّة، فَلَمَّا طَال مكثه فِي الْحَبْس، كتب إِلَيّ رقْعَة لَطِيفَة، أَولهَا:
ترى حرمت كتب الأخلاء بَينهمأبن لي، أم أصبح الود غاليا؟
فَمَا كَانَ لَو ساءلتنا كَيفَ حَالنَاوَقد دهمتنا نكبة هِيَ مَا هيا
صديقك من راعاك عِنْد شَدِيدَةوكل ترَاهُ فِي الرخَاء مراعيا
فهبك عدوي، لَا صديقي، فَرُبمَايكَاد الأعادي يرحمون الأعاديا
ثمَّ أتبع ذَلِك بِكَلَام عَاتَبَنِي فِيهِ، وَيذكر أَنه أنفذ إِلَيّ، فِي طي رقعته، رقْعَة إِلَى الْوَزير، وسألني عرضهَا عَلَيْهِ، فِي وَقت خلْوَة لَا يكون فِيهَا ابْنه أَبُو أَحْمد المحسن.
فَقَرَأت الرقعة الَّتِي للوزير، فَكَانَ فِيهَا: أقصرت أَطَالَ الله بَقَاء الْوَزير، وَفعل بِهِ وصنع، عَن الاستعطاف وَعَن الشكوى، حَتَّى تناهت بِي المحنة والبلوى، فِي النَّفس وَالْمَال، والجسم وَالْحَال، إِلَى مَا فِيهِ شِفَاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حَتَّى أفضت بِي، إِلَى الْحيرَة والتبلد، وبعيالي إِلَى الهتكة والتلدد، وَمَا أَقُول إِن حَالا أَتَاهَا الْوَزير، أيده الله، فِي أَمْرِي، إِلَّا بِحَق وَاجِب، وَظن صَادِق غير كَاذِب، إِلَّا أَن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَالِاعْتِرَاف يزِيل الاقتراف، وَرب الْمَعْرُوف يؤثره أهل الْفضل وَالدّين، وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء،
من أَفعَال الْمُتَّقِينَ، وعَلى كل حَال، فلي ذمام وَحُرْمَة، وتأميل وخدمة، إِن كَانَت الْإِسَاءَة تضيعها، فرعاية الْوَزير، أيده الله، تحفظها، فَإِن رأى الْوَزير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، أَن يلحظ عَبده بِعَين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، ويتخلصها من الْعَذَاب الشَّديد، والجهد الجهيد، وَيجْعَل لَهُ من معروفه نَصِيبا، وَمن الْبلوى فرجا قَرِيبا، فعل، إِن شَاءَ الله.
فأقامت الرقعة فِي كمي أَيَّامًا، لَا أتمكن من عرضهَا، إِلَى أَن رسم لي الْوَزير ابْن الْفُرَات، كتب رقْعَة إِلَى جَعْفَر بن الْقَاسِم، عَامله على فَارس، فِي مُهِمّ، وَأَن أحررها بَين يَدَيْهِ، وأعرضها عَلَيْهِ، فَأمرنِي بتحريرها وَقد خلا، فاغتنمت خلوته من كل أحد، فَقلت لَهُ: قد عرف الْوَزير، أيده الله، مَا بيني وَبَين ابْن مقلة، من الْعشْرَة والإلفة الَّتِي جمعتنَا عَلَيْهَا خدمته، وَوَاللَّه، مَا كاتبته وَلَا راسلته، وَلَا قضيت لَهُ حَقًا بمعونة وَلَا غَيرهَا، مُنْذُ سخط الْوَزير، أيده الله، عَلَيْهِ، وَهَذِه رقعته إِلَيّ تدل على ذَلِك، وَيسْأل عرض رقْعَة لَهُ على الْوَزير، أيده الله، وَهِي معي، فَإِن أذن عرضتها عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هَاتِهَا.
فناولته إِيَّاهَا، قَالَ: فَقَرَأَ رقعته إِلَيّ، ثمَّ قَالَ: هَات رقعته إِلَيّ.
فَقلت: أسأَل الْوَزير، أيده الله، أَن يكتم ذَلِك عَن سَيِّدي أبي أَحْمد، يَعْنِي: المحسن ابْنه، فَإِنِّي أخافه.
فَقَالَ: أفعل.
فَلَمَّا قَرَأَ رقْعَة ابْن مقلة إِلَيْهِ، قَالَ: وَالله، يَا أَبَا عبد الله، لقد تناهى هَذَا الرجل فِي السّعَايَة على دمي، وَمَالِي، وَأَهلي، لقد صَحَّ عِنْدِي أَنه قَالَ: لما أسلم إِلَيّ حَامِد: لَو علمت أَن ابْن الْفُرَات سَيبقى بعد صرفه يَوْمًا وَاحِدًا مَا سعيت عَلَيْهِ، وَالله، لقد كنت أَدْعُو الله فِي حبسي، أَن لَا يمكنني مِنْهُ، وَلَا من الباقطائي، أما هُوَ فلإحساني الْعَظِيم، كَانَ، إِلَيْهِ، فَلم أحب أَن أتمكن مِنْهُ فأشفي غيظي وأفسد إحساني إِلَيْهِ, وَأما الباقطائي، فلقبيح إساءته إِلَيّ، وَلِأَنَّهُ شيخ من شُيُوخ الْكتاب، وَخفت الْعَار بِمَا لعَلي كنت أعامله بِهِ لَو حصل فِي يَدي، فَلم تجب دَعْوَتِي فِيهِ، وأجيبت فِي الباقطائي، والآن فوحق مُحَمَّد وَآله ﵈، لَا جرى على ابْن مقلة مَكْرُوه بعد هَذَا، وَأَنا أتقدم الْيَوْم بِأَخْذِهِ من المحسن، وإنفاذه مَعَ سُلَيْمَان بن الْحسن إِلَى فَارس، وأجريه مجْرَاه فِي الْأَمر بحراسة نَفسه، وَبَاقِي حَاله، وَأَزِيدك، يَا أَبَا عبد الله، مَا لَا أحسبك فهمته.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَإِنِّي لم أزل أستفيد الْفَوَائِد من الْوَزير، أيده الله،
تعلما وإنعاما.
فَقَالَ: قد بقيت لَهُ بَقِيَّة وافرة من حَاله، لولاها، لَكَانَ لَا يقدر أَن يَقُول قولا سديدا، وَلَا يتفرغ قلبه لنظم شعر، وبلاغة نثر.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أخرجه من الْمحبس، وأنفذه إِلَى فَارس، هُوَ وَسليمَان بن الْحسن، فسلما.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع