تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بَين الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق والمنصور العباسي

وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذِه السِّيَاقَة، وجدته فِي بعض الْكتب بِغَيْر إِسْنَاد: إِن معَاذًا، مولى إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵏، قَالَ: كنت قَائِما على رَأس مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، مولَايَ، ورزام، مولى مُحَمَّد بن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، يحدثه، وَكَانَ كَاتبه إِذْ ذَاك، قَالَ: وجهني مُحَمَّد بن خَالِد الْقَسرِي، لآتيه بِجَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، من الْمَدِينَة، إِلَى الْمَنْصُور.

فَلَمَّا صررنا بالنجف، نزل عَن رَاحِلَته، وأسبغ الْوضُوء، واستقبل الْقبْلَة، وَصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَأَنا بِالْقربِ مِنْهُ، فَسَمعته يَقُول: اللَّهُمَّ بك أستفتح، وَبِك أستنجح، وَبِمُحَمَّدٍ عَبدك وَرَسُولك أتوجه، اللَّهُمَّ إِنِّي أدرأ بك فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره, اللَّهُمَّ سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وَأَعْطِنِي من الْخَيْر أَكثر مِمَّا أَرْجُو، واكفني من الشَّرّ أَكثر مِمَّا أَخَاف، ثمَّ جَاءَ فَركب وَمضى.

فَلَمَّا قيل لأبي جَعْفَر: إِنَّه بِالْبَابِ، أَمر بالستور فَرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثمَّ خرج إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فِي منتصف الدَّار فعانقه أَبُو جَعْفَر، وَأخذ بِيَدِهِ يماشيه مُقبلا عَلَيْهِ، حَتَّى انْتهى إِلَى مَجْلِسه، فأجلسه فِيهِ، ثمَّ أقبل عَلَيْهِ الْمَنْصُور يسائله، وَأَقْبل جَعْفَر يَدْعُو لَهُ ويفديه.

ثمَّ إِن الْمَنْصُور قَالَ لَهُ: عرفت مَا كَانَ من أَمر هذَيْن الرجلَيْن، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن، وَمَا كَانَ من بري بهما، وَقد استترا، وَخفت أَن يشقا الْعَصَا، ويلقيا بَين أهل هَذَا الْبَيْت شرا لَا يصلح أبدا، فَأَخْبرنِي بخبرهما، ودلني عَلَيْهِمَا.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قد وَالله نهيتهما فَلم يقبلا، وكرهت أَن أطلع على شَيْء من أمورهما، وَمَا زلت مائلا إِلَيْك، وحاطبا فِي حبلك، ومواظبا على طَاعَتك.

فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدقت، وَلَكِنَّك تعلم، أَنِّي أعلم، أَن علم أَمرهمَا عنْدك، وَلنْ أقنع إِلَّا أَن تُخبرنِي بخبرهما وَأَمرهمَا.

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتلو عَلَيْك آيَة من كتاب الله ﷿، فِيهَا مُنْتَهى علمي بهما.

قَالَ: هَات، على اسْم الله.

فَتلا عَلَيْهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.

فَخر الْمَنْصُور سَاجِدا، وَقَالَ: حَسبك.

وَلم يسْأَله بعد ذَلِك عَن شَيْء من أَمرهمَا.

وَرُوِيَ لي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر، حَدَّثَنَا بِهِ عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عِيسَى بن أبي حَرْب الصفار، والمغيرة بن مُحَمَّد، قَالَا: حَدَّثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن الْفضل بن الرّبيع، عَن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حج أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة، قَالَ لي: ابْعَثْ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد من يأتيني بِهِ بَغْتَة، قتلني الله إِن لم أَقتلهُ، فَأَمْسَكت عَنهُ، رَجَاء أَن ينساه، فَأَغْلَظ لي فِي الثَّانِيَة.

فَقلت: جَعْفَر بن مُحَمَّد بِالْبَابِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ.

فَلَمَّا دخل، قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

فَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا عَدو الله، تلحد فِي سلطاني، وتبغيني الغوائل فِي ملكي، قتلني الله إِن لم أَقْتلك.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن سُلَيْمَان أعطي فَشكر، وَإِن أَيُّوب ابْتُلِيَ فَصَبر، وَإِن يُوسُف ظلم فغفر، وَأَنت من ذَلِك السنخ ففكر طَويلا.

ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: أَنْت عِنْدِي، يَا أَبَا عبد الله، البريء الساحة، السَّلِيم النَّاحِيَة، الْقَلِيل الغائلة، جَزَاك الله عَن ذِي رَحِمك، أفضل مَا يَجْزِي ذَوي الْأَرْحَام عَن أرحامهم.

ثمَّ تنَاول يَده، فأجلسه على مفرشه، واستدعى بالمنفحة، والمنفخة مدهن كَبِير فِيهِ غَالِيَة، فغلفه بِيَدِهِ، حَتَّى قطرت لحيته.

ثمَّ قَالَ لَهُ: فِي حفظ الله وَفِي كلاءته، يَا ربيع، ألحق أَبَا عبد الله جائزته وَكسوته.

قَالَ: الرّبيع: فتبعته، فَلَمَّا لحقته، قلت لَهُ: إِنِّي رَأَيْت مَا لم تَرَ، وَسمعت مَا لم تسمع، وَرَأَيْت بعد ذَلِك مَا قد رَأَيْت، وَقد رَأَيْتُك تحرّك شفتيك بِشَيْء، فَمَا الَّذِي قلت؟ فَقَالَ: نعم، إِنَّك رجل منا أهل الْبَيْت، وَلَك محبَّة ومودة، اعْلَم أنني قلت: اللَّهُمَّ احرسني بِعَيْنِك الَّتِي لَا تنام، واكنفني بركنك الَّذِي لَا يرام، وأدركني بِرَحْمَتك، واعف عني بقدرتك، لَا أهلك وَأَنت رجائي، رب، كم من نعْمَة أَنْعَمت بهَا عَليّ بن الْحسن، قل لَك عِنْدهَا شكري فَلم تحرمني، وَكم من بلية ابتليتني بهَا، قل لَك عِنْدهَا صبري فَلم تخذلني، فيا من قل عِنْد نعمه شكري فَلم يحرمني، وَيَا من قل عِنْد بليته صبري فَلم يخذلني، يَا من

رَآنِي على الْخَطَايَا فَلم يهتكني، يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَضِي أبدا، وَيَا ذَا النعماء الَّتِي لَا تحصى عددا، صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، بك أدرأ فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره، اللَّهُمَّ أَعنِي على ديني بدنياي، وعَلى آخرتي بتقواي، واحفظني فِيمَا غبت عَنهُ، وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين، يَا من لَا تضره الذُّنُوب، وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة، اغْفِر لي مَا لَا يَضرك، وَأَعْطِنِي مَا لَا ينْقصك، إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب، أَسأَلك فرجا قَرِيبا، وصبرا جميلا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، والعافية من جَمِيع البلايا، وشكر الْعَافِيَة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الرَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.