من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين الْمَأْمُون وَعَمْرو بن مسْعدَة
قرئَ على أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا حَاضر أسمع، فِي كِتَابه الوزراء سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَقَالَ:
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي: أَن الْمَأْمُون ذكر عَمْرو بن مسْعدَة، فاستبطأه فِي أَشْيَاء، وَقَالَ: أيحسب عَمْرو أَنِّي لَا أعرف أخباره، وَمَا يجبي إِلَيْهِ، وَمَا يُعَامل بِهِ النَّاس، بلي وَالله، ثمَّ يظنّ أَنه لَا يسْقط عَليّ مِنْهُ شَيْء؟، وَكَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد حَاضرا لذَلِك، فَمضى إِلَى عَمْرو، فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ الْمَأْمُون.
فَنَهَضَ من سَاعَته، وَدخل إِلَى الْمَأْمُون، فَرمي بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِاللَّه من سخط أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنا أقل من أَن يشكوني إِلَى أحد، أَو يسر عَليّ ضغنا
يظْهر مِنْهُ بِكَلَامِهِ مَا ظهر.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: وَمَا ذَاك؟ فَأخْبرهُ بِمَا بلغه.
فَقَالَ: لم يكن الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا جرى معنى أوجب ذكر مَا ذكرت، فقدمته قبل أَن أخْبرك بِهِ، وَكَانَ ذَلِك عزمي، وَمَا لَك عِنْدِي إِلَّا مَا تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظَنك، وَسكن مِنْهُ حَتَّى شكره، وَجعل مَاء الْحَيَاة يَدُور فِي وَجهه.
فَلَمَّا دخل أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى الْمَأْمُون، قَالَ: لَهُ: أَشْكُو إِلَيْك من بحضرتي من خدمي وَأَهلي، أما لمجلسي حق وَلَا حُرْمَة ليكتم مَا يجْرِي فِيهِ، حَتَّى يُؤدى إِلَى عَمْرو بن مسْعدَة؟ فَإِنَّهُ قد أبلغ أَشْيَاء قلتهَا فِيهِ واتهمت فِيهَا بعض بني هَاشم مِمَّن كَانَ حَاضرا، وَذَلِكَ أَن عمرا دخل عَليّ، وَأعَاد مَا كَانَ، فاعتذرت لَهُ بِعُذْر لم يبن الْحق نسجه، وَلم يتسق القَوْل مني فِيهِ، وَإِن لِسَان الْبَاطِل، لعي الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَمَا نعش الْبَاطِل أحدا, قَالَ لَهُ أَحْمد: لَا يتهم أَمِير الْمُؤمنِينَ أحدا، أَنا أخْبرت عمرا.
قَالَ: وَمَا دعَاك إِلَى ذَلِك؟ قَالَ: الشُّكْر لله، وَلَك لاصطناعك، والنصح لَك والمحبة لتَمام نِعْمَتك على أوليائك وخدمك، وَقد علمت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحب استصلاح الْأَعْدَاء والبعداء، فَكيف بالأولياء والقرباء، ولاسيما مثل عَمْرو، فِي مَوْضِعه من الدولة، وموقعه من الْخدمَة، ومكانه من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فخبرته بِمَا أنكرهُ عَلَيْهِ، ليقوم أود نَفسه، ويتلافى مَا فرط مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْعَيْب لَو أفشيت كلَاما فِيهِ لأمير الْمُؤمنِينَ سر، أَو قدح على السُّلْطَان، أَو نقض تَدْبِير لَهُ.
فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنت وَالله يَا أَحْمد، إِذْ كفيتني مخاضة الظَّن، وصدقتني عَن نَفسك، وأزلت التُّهْمَة عَن غَيْرك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع