تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الرشيد يمْضِي مَا تعهد بِهِ وزيره جَعْفَر الْبَرْمَكِي فِي مجْلِس أنس

أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عَليّ المنجم، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: لم أر قطّ مثل جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، كَانَت لَهُ فتوة، وظرف، وأدب، وَحسن غناء، وَضرب بالطبل، وَكَانَ يَأْخُذ بأجزل حَظّ، من كل فن.

فَحَضَرت بَاب الرشيد يَوْمًا، وَكَانَ الرشيد نَائِما، فوافي جَعْفَر، فَقلت لَهُ إِنَّه نَائِم، فَرجع، وَقَالَ سر بِنَا إِلَى الْمنزل، حَتَّى نخلو جَمِيعًا بَقِيَّة يَوْمنَا، فأغنيك، وتغنيني، ونأخذ فِي شَأْننَا، من وقتنا.

فَقلت: نعم.

فسرنا إِلَى مَجْلِسه، فطرحنا ثيابنا، ودعا بِالطَّعَامِ، فأكلنا، وَأمر بِإِخْرَاج الْجَوَارِي، وَقَالَ: ليبرزن، فَلَيْسَ عندنَا من نحتشمه.

فَلَمَّا رفع الطَّعَام، وَجِيء بِالشرابِ، دَعَا بقميص حَرِير فلبسه، ودعا لي بِمثلِهِ، ودعا بخلوق، فتخلق، وخلقني، وَجعل يغنيني، وأغنيه.

وَكَانَ قد دَعَا بالحاجب، فَتقدم إِلَيْهِ أَن لَا يَأْذَن لأحد من النَّاس كلهم، وَإِن جَاءَ رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأعلمهُ أَنِّي مَشْغُول، واحتاط فِي ذَلِك، وَتقدم

فِيهِ إِلَى جَمِيع الْحجاب والخدم.

ثمَّ قَالَ: إِن جَاءَ عبد الْملك، فأذنوا لَهُ، يَعْنِي رجلا كَانَ يأنس بِهِ، ويمازحه، ويحضره خلواته، ثمَّ أَخذنَا فِي شَأْننَا.

فَبَيْنَمَا نَحن على سارة، إِذْ رفع السّتْر، فَإِذا عبد الْملك بن طالح الْهَاشِمِي قد أقبل، وَغلط الْحَاجِب، فَلم يفرق بَينه وَبَين عبد الْملك الَّذِي يأنس بِهِ جَعْفَر.

وَكَانَ عبد الْملك هَذَا من جلالة الْقدر والتقشف، على حَالَة مَعْرُوفَة، حَتَّى إِنَّه كَانَ يمْتَنع من منادمة الْخَلِيفَة، على اجْتِهَاد من الْخَلِيفَة أَنْت يشرب مَعَه قدحا وَاحِد، فَلم يفعل، ترفعا.

فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ مُقبلا، أقبل كل وَاحِد منا ينظر إِلَى صَاحبه، وَكَاد جَعْفَر أَن تَنْشَق مرارته غيظا.

وَفهم الرجل حَالنَا، فَأقبل نحونا، حَتَّى صَار إِلَى الرواق الَّذِي نَحن فِيهِ، فَنزع قلنسوته، فَرمى بهَا مَعَ طيلسانه جانبا، ثمَّ قَالَ: أطمعونا شَيْئا.

فَدَعَا لَهُ جَعْفَر بِطَعَام، وَهُوَ منتفخ غيظا وغضبا، فَأكل، ثمَّ دَعَا برطل، فشربه.

ثمَّ أقبل إِلَى الْمجْلس الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب، ثمَّ قَالَ: أشركونا فِيمَا أَنْتُم فِيهِ.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: ادخل، فَدخل فَدَعَا لَهُ بقميص حَرِير وخلوق، فَلبس، وتخلق، ثمَّ دَعَا برطل، ورطل حَتَّى شرب ثَلَاثَة أَرْطَال، ثمَّ انْدفع يغنينا، فَكَانَ، وَالله، أحسننا غناء.

فَلَمَّا طابت نفس جَعْفَر، وسري عَنهُ مَا كَانَ بِهِ، الْتفت إِلَيْهِ، وَقَالَ: ارْفَعْ حوائجك.

فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع حوائج.

فَقَالَ: أقسم عَلَيْك، لتفعلن.

وَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ: أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاجِد عَليّ كَمَا قد علمت، فَأحب أَن تترضاه.

قَالَ: فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَضِي عَنْك، فهات حوائجك، كَمَا أَقُول لَك.

قَالَ: عَليّ دين فادح.

قَالَ: كم مبلغه؟ قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم.

قَالَ: هَذِه أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم، فَإِن أَحْبَبْت قبضهَا، قبضتها السَّاعَة، فَإِنَّهُ لَا يَمْنعنِي من إعطائك إِيَّاهَا، إِلَّا أَن قدرك يجل عِنْدِي أَن يصلك مثلي، وَلَكِنِّي ضَامِن لَهَا، حَتَّى تحمل لَك فِي غَد، من مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ، فسل أَيْضا.

قَالَ: تكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى يُنَوّه باسم ابْني.

قَالَ: ولاه أَمِير الْمُؤمنِينَ مصر، وزوجه ابْنَته الغالية، ومهرها عَنهُ ألفي

ألف دِرْهَم.

قَالَ: إِسْحَاق: فَقلت فِي نَفسِي، قد سكر الرجل، يَعْنِي جَعْفَر.

فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، حضرت دَار الرشيد، فَإِذا بِجَعْفَر بَين يَدَيْهِ، وَوجدت فِي الدَّار جلبة، فَإِذا بِأبي يُوسُف القَاضِي ونظرائه، وَقد دعِي بهم، ثمَّ دعِي بِعَبْد الْملك وَابْنه، فدخلا على الرشيد.

فَقَالَ الرشيد لعبد الْملك: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ واجدا عَلَيْك، وَقد رَضِي عَنْك، وَأمر لَك بأَرْبعَة آلَاف ألف دِرْهَم، فَخذهَا من جَعْفَر السَّاعَة.

ثمَّ دَعَا بِابْنِهِ، وَقَالَ: اشْهَدُوا عَليّ أنني قد زَوجته ابْنَتي الغالية، ومهرتها عَنهُ ألفي ألف دِرْهَم، ووليته مصر.

فَلَمَّا خرج جَعْفَر سَأَلته عَن الْخَبَر، فَقَالَ: بكرت إِلَى دَار الرشيد، فحكيت لَهُ جَمِيع مَا جرى حرفا حرفا، ووصفت لَهُ دُخُول عبد الْملك وَمَا صنع، فَعجب مِنْهُ، وسر بِهِ.

فَقلت لَهُ: وَقد ضمنت لَهُ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ ضمانا.

فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فأعلمته.

فَقَالَ: نفي لَهُ بضمانك، وَأمر بإحضاره، فَكَانَ مَا رَأَيْت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الرَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.