تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بَين الْوَلِيد بن يزِيد وطريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ

أخبرنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، عَن الْمَدَائِنِي، قَالَ: كَانَ الْوَلِيد بن يزِيد، وَهُوَ ولي الْعَهْد، يكرم طريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ،

ويدني مَجْلِسه، وَجعله أول دَاخل وَآخر خَارج من عِنْده، فاستفرغ مديحه كُله فِيهِ، فحسده النَّاس من أهل بَيت الْوَلِيد، وَقدم حَمَّاد الرِّوَايَة، فِي تِلْكَ الْأَيَّام إِلَى الشَّام.

فَقَالُوا لَهُ: قد ذهب طريح بالأمير كل مَذْهَب، فَمَا لنا مَعَه ليل وَلَا نَهَار.

فَقَالَ حَمَّاد: اطْلُبُوا لي من ينشده بَيْتَيْنِ من الشّعْر فِي خلْوَة لأسقط مَنْزِلَته عِنْده.

فطلبوا إِلَى الْخصي الَّذِي كَانَ يقوم على رَأس الْوَلِيد، وَجعلُوا لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، على أَن ينشد بَيْتَيْنِ من الشّعْر، على خلْوَة، فَإِذا سَأَلَهُ عَنْهُمَا وَعَن قائلهما، قَالَ لَهُ: طريح، فأجابهم الْخصي إِلَى ذَلِك، وَتعلم الْبَيْتَيْنِ.

فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم دخل طريح على الْوَلِيد، وَدخل النَّاس، وجلسوا طَويلا، ثمَّ نهضوا، وَبَقِي طريح مَعَ الْوَلِيد بغدائه فتغديا، ثمَّ إِن طريحا خرج، فَركب إِلَى منزله، وَبَقِي الْوَلِيد وَحده فِي مَجْلِسه لَيْسَ مَعَه أحد، فاستقلي على فرَاشه، فاغتنم الْخصي خلوته، فأنشده الْبَيْتَيْنِ، وهما:

سيري ركابي إِلَى من تسعدين بِهِفقد أَقمت بدار الْهون مَا صلحا
سيري إِلَى سيد سمح خلائقهضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا

فأصغى الْوَلِيد إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: من يَقُول هَذَا يَا غُلَام؟

قَالَ: يَقُوله طريح.

فامتلا غيظا وغضبا، ثمَّ قَالَ: والهف أم لم تلدني، قد جعلته أول دَاخل عَليّ، وَآخر خَارج عني، وَيَزْعُم أَن هشاما يحمل الْمَدْح، وَأَنِّي لَا أحملها.

ثمَّ قَالَ: عَليّ بالحاجب.

فجَاء، فَقَالَ لَهُ: لَا أعلم أَنَّك أَذِنت لطريح، وَلَا أرَاهُ فِي بسيط الأَرْض، فَإِذا جادلك فِي ذَلِك، فاخبطه بِالسَّيْفِ.

فَلَمَّا صليت الْعَصْر، جَاءَ طريح فِي السَّاعَة الَّتِي كَانَ يُؤذن لَهُ فِيهَا، فَدَنَا من الْبَاب ليدْخل، فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: وَرَاءَك.

فَقَالَ: مَا لَك، هَل دخل على ولي الْعَهْد أحد بعدِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن سَاعَة وليت من عِنْده، دَعَاني، فَأمرنِي أَن لَا آذن لَك، وَإِن جادلتني فِي الْإِذْن خبطتك بِالسَّيْفِ.

فَقَالَ لَهُ: لَك عشرَة آلَاف دِرْهَم، وأدخلني.

فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: وَالله، لَو أعطيني خراج الْعرَاق مَا أَذِنت لَك، وَمَا لَك خير فِي الدُّخُول، فَارْجِع.

فَقَالَ: وَيحك، هَل تعلم من دهاني عِنْده؟ قَالَ: لَا وَالله، لقد دخلت عَلَيْهِ، وَمَا عِنْده أحد، وَلَكِن الله تَعَالَى يحدث مَا يَشَاء، فِي اللَّيْل وَالنَّهَار.

فَرجع طريح، وَأقَام بِبَاب الْوَلِيد سنة، لَا يخلص إِلَيْهِ، وَلَا يقدر على الدُّخُول عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرُّجُوع إِلَى وَطنه وَقَومه.

ثمَّ قَالَ: وَالله، إِن هَذَا مني لعجز، أرجع من غير أَن ألقِي ولي الْعَهْد، فَأعْلم من دهاني عِنْده؟ وَرَأى أُنَاسًا كَانُوا أَعدَاء لَهُ، قد فرحوا بِمَا كَانَ من أمره، وَلم يزل يلطف بالحاجب، حَتَّى قَالَ لَهُ: أما إِذْ أطلت الْمقَام، فَأَنا أكره أَن تَنْصَرِف على حالك هَذِه، وَلَكِن الْأَمِير، إِذا كَانَ يَوْم كَذَا وَكَذَا، وَدخل الْحمام، ثمَّ أَمر بسريره فأبرز، وَلَيْسَ عَلَيْهِ يؤمئذ حجاب، فَإِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم حضرت، فَدخلت عَلَيْهِ، وظفرت بحاجتك، وَيكون لي أَنا عذر.

فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم دخل الْحمام، وأبرز سَرِيره، وَجلسَ عَلَيْهِ، وَأذن للنَّاس فَدَخَلُوا، وَبعث الْحَاجِب إِلَى طريح، فَأقبل.

فَلَمَّا رَآهُ الْوَلِيد من بعيد، صرف وَجهه عَنهُ، وَكره أَن يردهُ من بَين النَّاس، فَسلم، فَلم يرد عَلَيْهِ، فَأَنْشَأَ طريح يَقُول:

نَام الخلي من الهموم وَبت فِيليل أكابده وهم مضبع
وسهرت لَا أسرِي وَلَا فِي لَذَّةأرقي وأعقد مَا لقِيت المضجع
أبغي وُجُوه مخارجي من تُهْمَةأزمت عَليّ وسد مِنْهَا المطلع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
جزعا لمغضبة الْوَلِيد وَلم أكنمن قبل ذَاك من الْحَوَادِث أجزع
يَابْنَ الخلائف إِن سخطك لامرئأمسيت عصمته بلَاء مفظع
فلأنزعن عَن الَّذِي لم تهوهإِن كَانَ لي وَرَأَيْت ذَلِك منزع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
فاعطف فدَاك أبي عَليّ تعطفاوفضيلة فَعَسَى الْفَضِيلَة تَنْفَع
فَلَقَد كَفاك وَزَاد مَا قد نالنيإِن كنت لي ببلاء ضرّ تقنع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
سمة لذاك عَليّ جسم شاحبباد تحسره ولون أسفع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
إِن كنت فِي ذَنْب عتبت فإننيعَمَّا كرهت لنازع متضرع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
ويئست مِنْك فَكل عسر باسطيَده إِلَيّ وكل يسر أقطع
من بعد أخذي من حبالك بِالَّذِيقد كنت أَحسب أَنه لَا يقطع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
أرمضتني حَتَّى انْقَطَعت وسددتعني الْوُجُوه وَلم يكن لي مدفع
وَدخلت فِي حرم الذمام وحاطنيخفر أخذت بِهِ وعهد مولع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
أفهادم مَا قد بنيت وخافضشرفي وَأَنت بِغَيْر ذَلِك أوسع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
أَفلا خشيت شمات قوم فيهمشنف وأنفسهم عَليّ تقطع
وفضلت فِي الْحسب الأشم عَلَيْهِموصنعت فِي الأقوام مَا لم يصنع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
فَكَأَن أنفهم بِكُل صنعيةأسديتها وَجَمِيل فعل يجدع
ودوا لَو أَنهم ينَال أكفهمشلل وَأَنَّك عَن صنيعك تنْزع
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
أَو تستليم فيجعلونك أُسْوَةوَأبي الملام لَك الندى والمصنع

فَقَالَ لَهُ: زعمت أَن هشاما يحمل الْمَدْح، وَأَنا لَا أحملها؟ فَأنْكر.

فَدَعَا الْخصي، وكشف عَن الصُّورَة، فاعترف الْخصي، بِمَا كَانَ قد رشي، حَتَّى أنْشد الْبَيْتَيْنِ بِحَضْرَة الْوَلِيد، فَرضِي عَنهُ، وأجزل عطاءه، وعوضه مَا فَاتَهُ، ورده إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الرَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.