تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أول مائَة ألف أعطيها شَاعِر فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس

أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى، قَالَ: رَأَيْت مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَقد دخل عَليّ الْمهْدي، بعد وَفَاة معن بن زَائِدَة، فِي جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم سلم الخاسر، وَغَيره، فأنشده مديحا فِيهِ.

فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟

قَالَ: شاعرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعَبْدك، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة.

فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أَلَسْت الْقَائِل فِي معن بن زَائِدَة:

أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بعد معنمقَاما لَا نُرِيد بِهِ زوالا
وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معنوَقد ذهب النوال فَلَا نوالا

فقد ذهب النوال كَمَا زعمت، فَلم جِئْت تطلب نوالنا؟ لَا شَيْء لَك عندنَا، جروا بِرجلِهِ، فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل، تلطف حَتَّى دخل مَعَ الشُّعَرَاء، وَإِنَّمَا كَانَت الشُّعَرَاء، تدخل على الْخُلَفَاء فِي كل عَام مرّة، فَمثل بَين يَدَيْهِ، فَأَنْشد، رَابِع أَو خَامِس شَاعِر، قصيدته الَّتِي أَولهَا:

طرقتك زائرة فحي خيالهابَيْضَاء تخلط بالجمال دلالها
قادت فُؤَادك فاستقاد وَمثلهَاقاد الْقُلُوب إِلَى الصِّبَا فأمالها
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طرقتك زائرة فحي خيالها»

قَالَ: فأنصت الْمهْدي يستمع مِنْهُ، إِلَى أَن بلغ مِنْهَا إِلَى قَوْله:

هَل تطمسون من السَّمَاء نجومهابأكفكم أَو تسترون هلالها
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أَو تجحدون مقَالَة عَن ربهجِبْرِيل بلغَهَا النَّبِي فَقَالَهَا
شهِدت من الْأَنْفَال آخر آيَةبتراثهم فأردتم إِبْطَالهَا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طرقتك زائرة فحي خيالها»

قَالَ: فَرَأَيْت الْمهْدي، وَقد زحف من صدر مُصَلَّاهُ، حَتَّى صَار على الْبسَاط، إعجابا مِنْهُ بِمَا سمع.

ثمَّ قَالَ: كم بَيت هم؟ قَالَ: مائَة بَيت.

فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم، فَكَانَت أول مائَة ألف أعطيها شَاعِر فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس.

وَمَضَت الْأَيَّام، وَولي هَارُون الْخلَافَة، فَرَأَيْت مَرْوَان وَقد دخل فِي جملَة الشُّعَرَاء، فأنشده قصيدة امتدحه بهَا.

فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: عَبدك، وشاعرك، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة.

فَقَالَ: أَلَسْت الْقَائِل فِي معن؟ وأنشده الْبَيْتَيْنِ اللَّذين أنشدهما الْمهْدي.

ثمَّ قَالَ: خُذُوا بِيَدِهِ فأخرجوه، فَلَا شَيْء لَهُ عندنَا، فَأخْرج أقبح إِخْرَاج.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، تلطف حَتَّى دخل، فأنشده:

لعمرك مَا أنسى غَدَاة المحصبإِشَارَة سلمى بالبنان المخضب
وَقد صدر الْحجَّاج إِلَّا أقلهممصَادر شَتَّى موكبا بعد موكب
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لعمرك لا أنسى غداة المحصب»

قَالَ: فَأَعْجَبتهُ القصيدة، فَقَالَ: كم هِيَ؟ قَالَ: سَبْعُونَ بَيْتا، فَأمر لَهُ بِعَدَد أبياتها ألوفا.

فَصَارَ ذَلِك رسما لَهُ عِنْدهم إِلَى أَن مَاتَ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الرَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.