تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْحجَّاج يَأْمر بتعذيب آزاد مرد

وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، عَن أبي المضرحي، وَقد وجدته أَنا، فِي غير مَوضِع، عَن الْمَدَائِنِي، بِمَا يقرب من هَذِه الْعبارَة: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي، عَن الزبير، قَالَ: أَمر الْحجَّاج مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر بن الأجدع الْهَمدَانِي، ابْن أخي مَسْرُوق، أَن يعذب آزاد مرد بن الفرند، فَأَخذه مُحَمَّد.

فَقَالَ لَهُ آزاد مرد: أرى لَك يَا مُحَمَّد، شرفا، ودينا، وَإِنَّا من أهل بَيت لَا نعطي على الذل شَيْئا، فارفق بِي، وَاسْتَأْذَنَ فِي.

فَقَالَ: أفعل.

فرفهه مُحَمَّد، وأكرمه، فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَيْهِ، فِي كل جُمُعَة، ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم.

فَغَضب الْحجَّاج، وَأمر معد، صَاحب الْعَذَاب، أَن يَأْخُذهُ من مُحَمَّد، فَأَخذه معد من مُحَمَّد، فَعَذَّبَهُ، ودق يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَلم يُعْطه شَيْئا.

فَقَالَ مُحَمَّد: فَإِنِّي لأسير، بعد ثَلَاثَة أَيَّام، إِذا بِهِ مُعْتَرضًا على بغل، مدقوق الْيَد وَالرجل.

فصاح بِي: يَا مُحَمَّد.

فَكرِهت أَن آتيه، فَيبلغ الْحجَّاج، فأقع مَعَه فِي مَكْرُوه، ثمَّ تذممت أَن لَا أدنو مِنْهُ، فدنوت.

فَقلت: حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِنَّك وليت مني مثل هَذَا، فأحسنت، ولي عِنْد فلَان مائَة ألف دِرْهَم، فَخذهَا مِنْهُ برسالتي إِلَيْهِ.

فَقلت: وَالله، لَا أخذت مِنْك شَيْئا، وَأَنت على هَذِه الْحَال.

فَقَالَ: أما إِذْ أَبيت، فاستمع مني، أحَدثك حَدِيثا سمعته من أهل دينك، عَن نبيك، سمعتهم يَقُولُونَ، إِنَّه قَالَ: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بالعباد خيرا، أمطرهم الْمَطَر فِي أَوَانه، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم خيارهم، وَجعل المَال فِي سمحائهم، وَإِذا أَرَادَ بهم شرا، أمطرهم الْمَطَر فِي غير أَوَانه وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شرارهم، ومول بخلاءهم، ثمَّ مضى.

وأتيت منزلي، فَمَا وضعت ثِيَابِي حَتَّى أَتَانِي رَسُول الْحجَّاج، وَقد بلغه مَا جرى.

فخفته خوفًا شَدِيدا، وَوَقعت فِي أَمر عَظِيم، فَأَتَيْته وَقد اخْتَرَطَ سَيْفه، وَهُوَ فِي حجره منتضى.

فَقَالَ لي: ادن.

فَقلت: مَا بِي دنو، وَفِي حجر الْأَمِير السَّيْف.

فَضَحِك، وَقَالَ: مَا قَالَ لَك الْخَبيث؟ فَقلت لَهُ: وَالله مَا غششتك مُنْذُ استنصحتني، وَلَا خنتك مُنْذُ ائتمنتني، وَلَا كذبتك مذ صدقتني، وأخبرته بِمَا قَالَ.

فَلَمَّا أردْت ذكر الرجل الَّذِي عِنْده المَال، صرف وَجهه عني، وَقَالَ: لَا تسمه، لقد سمع عَدو الله الْأَحَادِيث، انْصَرف راشدا.

فَانْصَرَفت آمنا، وَقد زَالَ خوفي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الرَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.