من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
صَاحب ديوَان الْخراج يسرق توقيع الْخَلِيفَة من يَد الرَّسُول
استسلف مُوسَى بن عبد الْملك من بَيت مَال الْخَاصَّة، مَالا، إِلَى أجل قريب، وَضمن للمتوكل أَن يردهُ فِي الْأَجَل.
فجَاء الْأَجَل وَلم يحمل المَال، فَغَضب المتَوَكل من مدافعته، وَقَالَ لِعبيد الله بن يحيى بن خاقَان، وَقع إِلَيْهِ عني برد المَال الْيَوْم، وضيق عَلَيْهِ فِي الْمُطَالبَة، وأنفذ التوقيع مَعَ عتاب بن عتاب، ومره أَن يُطَالِبهُ، فَإِن أخر أَدَاء المَال، طَالبه، وضربه بالمقارع فِي ديوَان الْخراج بِحَضْرَة النَّاس، وَأَن لَا يرفع عَنهُ المقارع، حَتَّى يصحح المَال.
فبادر بعض الخدم إِلَى مُوسَى، فَأخْبرهُ بذلك، فَجَلَسَ ينظر فِي وُجُوه يرد مِنْهَا المَال.
وَصَارَ إِلَيْهِ عتاب بالتوقيع مَخْتُومًا، وَكَانَ يَوْمًا شَدِيد الْحر، وَقد انتصف النَّهَار، ومُوسَى فِي خيش، فِي حجرَة من ديوانه، وَفِيه مروحة، يتناوبها فراشان يروحانه، فَدخل عتاب، وَفِي يَد مُوسَى كتاب طَوِيل يقرأه،
فَجَلَسَ، وأكب مُوسَى على الْكتاب يتشاغل بِهِ عَن خطاب عتاب، وَأصَاب عتاب برد المروحة والخيش، فَنَامَ واستثقل.
وَكَانَ عتاب قد أخرج التوقيع حِين جلس، فَوَضعه على دَوَاة مُوسَى، فغمز مُوسَى بعض غلمانه فَأخذ الْكتاب فغيبه.
وَمَا زَالَ عتاب ينَام مرّة وينتبه أُخْرَى، ومُوسَى يعْمل، إِلَى أَن اتقضت الهاجرة، وَقد توجه لمُوسَى بعض المَال، وأنفذ أَصْحَابه لقبضه.
فَقَالَ لَهُ عتاب: انْظُر فِيمَا جِئْنَا لَهُ.
قَالَ: قل أصلحك الله فيمَ جِئْت؟ قَالَ: فِيمَا تضمن التوقيع.
قَالَ: وَأي توقيع؟ قَالَ: الَّذِي أوصلته إِلَيْك من أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: مَتى؟ قَالَ: السَّاعَة وَضعته على الدواة.
فَقَالَ لَهُ: قد نمت نومان، وأظن أَنَّك رَأَيْت فِي نومك شَيْئا.
فَطلب عتاب التوقيع، فَلم يجده، فَقَالَ: سرق وَالله التوقيع، يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا.
فَقَالَ مُوسَى: يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا، كذب فِيمَا ادَّعَاهُ، مَا أوصل إِلَيّ توقيعا، وَأَنْتُم حاضرون، فَهَل رَأَيْتُمُوهُ أوصل إِلَى توقيعا؟ قُم فَانْظُر لَعَلَّك يَا أَبَا مُحَمَّد ضيعت التوقيع فِي طريقك.
فَانْصَرف عتاب إِلَى عبيد الله فَأخْبرهُ بذلك.
فَدخل عبيد الله إِلَى المتَوَكل، فحدثه، فَضَحِك، وَقَالَ: أحضروا مُوسَى السَّاعَة، فَحَضَرَ.
فَقَالَ لَهُ المتَوَكل: يَا مُوسَى، سرقت التوقيع من عتاب؟ قَالَ: إِي وَالله يَا سَيِّدي خمنت أَن فِيهِ مَكْرُوها، ونام عتاب من قبل أَن يوصله إِلَيّ، فَأمرت من سَرقه، وَقد أَعدَدْت نصف المَال، والساعة أحملهُ إِلَى صَاحب بَيت مَال الْخَاصَّة، وأحمل الْبَاقِي بعد خَمْسَة أَيَّام، وأتبع ذَلِك بتضرع.
فأنفذ المتَوَكل مَعَه من قبض مِنْهُ ذَلِك، وَانْصَرف وَقد رَضِي عَنهُ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع