من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمَأْمُون يهب عَمْرو بن مسْعدَة سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم فيهبها عَمْرو لأحد أَتْبَاعه
قرئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا أسمع، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء)، حَدثكُمْ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنِي سعد بن يَعْقُوب النَّصْرَانِي، قَالَ: أَمر الْمَأْمُون مُحَمَّد بن يزْدَاد، وَأحمد بن أبي خَالِد، أَن يناظرا عَمْرو بن مسْعدَة، فِي مَال الأهواز، فناظراه، فَتحصل عَلَيْهِ سِتَّة عشر ألف ألف دِرْهَم، فأعلما الْمَأْمُون بذلك.
فَقَالَ: اقبلا مِنْهُ كل حجَّة، وكل تعلق، وكل ادِّعَاء.
فَقَالَا: قد فعلنَا.
فَقَالَ: عودا.
فعادا، فَتعلق عَمْرو بن مسْعدَة بأَشْيَاء لَا أصل لَهَا، فَسقط من المَال عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، وَبَقِي سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم وَاجِبَة عَلَيْهِ، لَا حجَّة لَهُ فِيهَا، وَأخذ خطه بذلك.
فأحضر الْمَأْمُون عمرا، بعد خروجهما، فَقَالَ لَهُ: هَذِه رقعتك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: وَهَذَا المَال وَاجِب عَلَيْك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: خُذ رقعتك، فقد وهبته لَك.
فَقَالَ: أما إِذْ تفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بِهِ، فَإِنَّهُ وَاجِب على أَحْمد بن عُرْوَة، وأشهدك أَنِّي قد وهبته لَهُ.
فاغتاظ الْمَأْمُون، وَخرج عَمْرو وَقد عرف غيظ الْمَأْمُون، وَعلم خطأه فِي عمله، فلجأ إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد، فَأعلمهُ بذلك، وَكَانَ يختصه.
فَقَالَ: لَا عَلَيْك، وَدخل إِلَى الْمَأْمُون.
فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُون، قَالَ: أَلا تعجب يَا أَحْمد من عَمْرو، وهبنا لَهُ سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم، بعد أَن تجاوزنا لَهُ عَن أضعافها، فَوَهَبَهَا بَين يَدي لِأَحْمَد بن عُرْوَة، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يباريني، ويصغر معروفي؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمد: أَو قد فعل ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: نعم.
قَالَ: لَو لم يفعل هَذَا، لوَجَبَ أَن يسْقط حَاله.
قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَو اسْتَأْثر بِهِ على أَحْمد بن عُرْوَة، وَأخذ أَحْمد بأَدَاء هَذَا المَال، لَكَانَ قد أخرجه من مَعْرُوفك صفرا، وَلما كَانَت نِعْمَتك على عَمْرو، نعْمَة على أَحْمد، وهما خادماك، فَكَانَ الأجمل أَن يتضاعف مَعْرُوفك عِنْدهمَا، فقصد عَمْرو ذَلِك، فَصَارَ المَال تفضلا مِنْك على عَمْرو، وعَلى أَحْمد بن عُرْوَة، وَمَعَ ذَلِك، فَأَنت سيد عَمْرو لَا يعرف سيدا غَيْرك، وَعَمْرو سيد أَحْمد، فاقتدى فِي أَمر أَحْمد بِمَا فعلت فِي أمره، وَأَرَادَ أَيْضا أَن ينتشر
فِي مُلُوك الْأُمَم، أَن خَادِمًا من خدمك اتَّسع قلبه لهبة هَذَا المَال، من فضل إحسانك إِلَيْهِ، فيزيد فِي جلالة الدولة، وجلالة قيمتهَا، فيكسر ذَلِك الْأَعْدَاء الَّذين يكاثرونك.
فَسرِّي عَن الْمَأْمُون، وَزَالَ مَا بِقَلْبِه على عَمْرو..
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع