من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمَأْمُون يرضى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، وَالْحُسَيْن بن يحيى، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي، عَن أَبِيه، قَالَ: أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق، قَالَ: أَقَامَ الْمَأْمُون بعد دُخُوله بَغْدَاد عشْرين شهرا، وَلم يسمع حرفا من الأغاني، ثمَّ كَانَ أول من تغنى بِحَضْرَتِهِ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أول مرّة، ثمَّ واظب على السماع متسترا، متشبها بالرشيد فِي أول أمره، فَأَقَامَ الْمَأْمُون كَذَلِك أَربع سِنِين، ثمَّ ظهر للندماء والمغنين.
قَالَ: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: وَكَانَ حِين أحب السماع، سَأَلَ عني، فجرحت بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ الطاعن عَليّ: مَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي رجل يتيه على الْخُلَفَاء، مَا بَقِي هَذَا من التيه شَيْئا إِلَّا اسْتَعْملهُ.
فَأمْسك عَن ذكري، وجفاني من كَانَ يصلني لسوء رَأْيه فِي، فأضر ذَلِك بِي، حَتَّى جَاءَنِي عُلْوِيَّهُ يَوْمًا، فَقَالَ لي: أتأذن لي فِي ذكرك
بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فَإنَّا قد دعينا الْيَوْم.
فَقلت: لَا، وَلَكِن غنه بِهَذَا الشّعْر، فَإِنَّهُ يَبْعَثهُ على أَن يَسْأَلك لمن هُوَ؟ فَإِذا سَأَلَك انْفَتح لَك مَا تريده، وَكَانَ الْجَواب أسهل عَلَيْك من الِابْتِدَاء.
قَالَ: هَات، فألقيت عَلَيْهِ لحني فِي شعري:
يَا سرحة المَاء قد سدت مواردهأما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود
لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِمشرد عَن طَرِيق المَاء مطرود
قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: والغناء فِيهِ لإسحاق الْموصِلِي، رمل بالوسطى، عَنهُ، وَعَن عَمْرو بن بانة.
رَجَعَ الحَدِيث، قَالَ: فَمضى عُلْوِيَّهُ، فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْمجْلس، غناهُ بالشعر، الَّذِي أمره بِهِ إِسْحَاق.
فَقَالَ الْمَأْمُون: وَيلك يَا عُلْوِيَّهُ، لمن هَذَا الشّعْر؟.
فَقَالَ: يَا سَيِّدي لعبد من عبيدك، جفوته، واطرحته، من غير ذَنْب.
فَقَالَ: إِسْحَاق تَعْنِي؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ: يحضر السَّاعَة.
قَالَ إِسْحَاق: فَجَاءَنِي رَسُول الْمَأْمُون، فصرت إِلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ استدناني، فدنوت مِنْهُ، فَرفع يَدَيْهِ إِلَيّ مادهما، فانكببت عَلَيْهِ، فاحتضنني بيدَيْهِ، وَأظْهر من بري وإكرامي، مَا لَو أظهره صديق مؤانس لصديق، لسر بِهِ.
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وبأقل من هَذَا الشَّرْح، والمعني مُتَقَارب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع