تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

فتْنَة تثور بِبَغْدَاد فتفرج عَن بَرِيء مَحْبُوس

حَدثنِي البهلول بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ، الْوَكِيل على أَبْوَاب الْقُضَاة بِبَغْدَاد، وَيعرف بالناقد،

قَالَ: كنت أقيم خبر المحبسين فِي المطبق بِمَدِينَة السَّلَام، فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه، فَرَأَيْت فِي المطبق رجلا مغلولا، على ظَهره لبنة من حَدِيد، فِيهَا سِتُّونَ رطلا، فَسَأَلته عَن قصَّته، فَقَالَ: أَنا وَالله مظلوم.

فَقلت لَهُ: كَيفَ كَانَ أَمرك؟ قَالَ: كنت لَيْلَة من اللَّيَالِي، فِي دَعْوَة صديق لي بسوق يحيى، فَخرجت من عِنْده مغلسا، وَفِي الْوَقْت فضل وَأَنا لَا أعلم، فَلَمَّا صرت فِي قِطْعَة من الشَّارِع، فَإِذا مشاعل الطَّائِف، فرهبته، وَلم أدر مَا أعمل، فَرَأَيْت شريجة مشوشة،

ففتحتها، وَدخلت، ورددتها كَمَا كَانَت، وَقمت فِي الدّكان، ليجوز الطَّائِف وَأخرج.

وَبلغ الطَّائِف الْموضع، فَرَأى الشريجة مشوشة، فَقَالَ: فتشوا هَذِه الدّكان، فَدخلت الرجالة بمشعل، رَأَيْت فِي ضوئه رجلا فِي أَرض الدّكان مذبوحا، على صَدره سكين، فَجَزِعت.

فَرَأى الرجالة ذَلِك الرجل، ورأوني قَائِما، فَلم يشكوا فِي أَنِّي الْقَاتِل.

فأخذني صَاحب الشرطة فحبسني، ثمَّ عرضت فَضربت ضربا شَدِيدا، وعوقبت أصنافا من الْعُقُوبَات، وَأَنا أنكر، وَعِنْدهم أَنِّي أتجلد، وهم يزيدونني، فَاجْتمع أَهلِي، وَكَانَت لَهُم شعب بِأَسْبَاب السُّلْطَان، فتكلموا فِي واستشهدوا خلقا كثيرا على سيرتي، فَبعد شَدَائِد ألوان، أعفيت من الْقَتْل، ونقلت إِلَى المطبق وثقلت بِهَذَا الْحَدِيد، وَتركت على هَذِه الصُّورَة مُنْذُ سِتّ عشرَة سنة م.

قَالَ: فاستعظمت محنته، وبهت من حَدِيثه، فَقَالَ: مَا لَك، وَالله مَا آيس مَعَ هَذَا من فضل الله ﷿، فَإِن من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرجا.

قَالَ: فوَاللَّه، مَا خرج كَلَامه من فِيهِ، حَتَّى ارْتَفَعت ضجة عَظِيمَة، وَكسر الْحَبْس، ووصلت الْعَامَّة إِلَى المطبق ومطاميره وأخرجوا كل من هُنَاكَ، وَخرج الرجل فِي جُمْلَتهمْ.

وانصرفت وَأَنا أُرِيد منزلي، وَإِذا نازوك قد قتل، والفتنة قد ثارت، وَفرج الله عَن الرجل، وَعَن جَمِيع أهل الحبوس.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.