تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الصدفة تنجي عَامل كوثى من الْقَتْل

وَبَلغنِي عَن رجل من أهل كوثى، قَالَ: كَانَ يتقلد بلدنا رجل عَامل من قبل أبي الْحسن بن الْفُرَات، فِي بعض وزاراته، فَافْتتحَ الْخراج وَاشْتَدَّ فِي الْمُطَالبَة.

وَكَانَ فِي أَطْرَاف الْبَلَد قوم من الْعَرَب قد زرعوا من الأَرْض مَا لَا يتجاسر الأكرة على زراعته، وَكَانَ الْعمَّال يسامحونهم بِبَعْض مَا يجب عَلَيْهِم من الْخراج.

فطالبهم هَذَا الْعَامِل بالخراج على التَّمام أُسْوَة بالأكرة، وأحضر أحدهم فحقق عَلَيْهِ الْمُطَالبَة، وَهُوَ مُمْتَنع، فَأمر بصفعه، فصفع حَتَّى أدّى الْخراج، وَانْصَرف، فَشَكا إِلَى بني عَمه، فتوافقوا على كبس الْعَامِل لَيْلًا، وَقَتله، وراسلوا فِي ذَلِك غَيرهم من الْعَرَب، واتعدوا لليلة بِعَينهَا.

فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي تليه تِلْكَ اللَّيْلَة، ورد إِلَى النَّاحِيَة عَامل آخر، صارفا للْأولِ، فَقبض عَلَيْهِ، وصفعه، وضربه بالمقارع، وَأخذ خطه بِمَال، وَقَيده، وَأمر بِأَن يحمل إِلَى قَرْيَة أُخْرَى على فراسخ من الْبَلَد، فحبس فِيهَا، ووكل بِهِ عشرَة من الرجالة، وسيره مرّة مَاشِيا، وَمرَّة على حمَار من حمير الشوك، فكاد مِمَّا لحقه أَن يتْلف، وَحصل فِي تِلْكَ الْقرْيَة.

وَكَانَ لَهُ غُلَام قد رباه، وَهُوَ خصيص بِهِ، عَارِف بِجَمِيعِ أُمُوره، فهرب عِنْد وُرُود الصَّارِف، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، لم يشْعر المصروف الْمَحْبُوس إِلَّا بغلامه الَّذِي رباه قد دخل عَلَيْهِ، وَكَانَ مَجِيئه إِلَيْهِ أَشد عَلَيْهِ من جَمِيع مَا لحقه إشفاقا

على الْغُلَام، وعَلى نَفسه مِمَّا يعرفهُ الْغُلَام، أَن يكون قد دلّ عَلَيْهِ.

فَقَالَ لَهُ: وَيحك، وَقعت فِي أَيْديهم؟ فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: من هم؟ هَات رجلك حَتَّى أكسر قيودك، وَتقوم فَتدخل بَغْدَاد.

فَقَالَ لَهُ: وَأَيْنَ الرجالة الموكلون بِي؟ فَقَالَ: يَا مولَايَ قد فرج الله ﷿ عَنْك، وهربت الرجالة.

قَالَ: فَمَا السَّبَب؟ قَالَ: إِن الْأَعْرَاب الَّذين كنت صفعت مِنْهُم وَاحِدًا، وطالبتهم بالخراج، كبسوا البارحة دَار العمالة، وَعِنْدهم أَنَّك أَنْت الْعَامِل، وَكَانُوا قد عمِلُوا على قَتلك، وَلم يكن عِنْدهم خبر صرفك، وَلَا خبر وُرُود هَذَا الْعَامِل، فَقَتَلُوهُ على أَنه أَنْت، وَقد هرب أَصْحَابه، وَأهل الْبَلَد كَافَّة، فَقُمْ حَتَّى نمشي إِلَى بَغْدَاد، لَا يبلغهم خبر كونك هُنَا، فيقصدوك، ويقتلوك.

فَكسر الْقَيْد، وَقَامَ هُوَ وَغُلَامه، يمشيان على غير جادة، إِلَى أَن بعدا، ودخلا قَرْيَة، واستأجرا مِنْهَا مَا ركبا إِلَى بَغْدَاد.

وَلَقي المصروف الْوَزير، وشنع على الْمَقْتُول، وَقَالَ: قد أفسد النَّاحِيَة، وأثار فتْنَة مَعَ الْعَرَب، فأقره الْوَزير على النَّاحِيَة، وَضم إِلَيْهِ جَيْشًا.

فَعَاد إِلَى كوثى، وتحصن بالجيش، وساس أمره مَعَ الْعَرَب، إِلَى أَن صَالحهمْ، وَحط لَهُم من الْخراج عَمَّا كمان طالبهم بِهِ، وأجرى أَمرهم على رسومهم، وَسَكنُوا إِلَيْهِ وَسكن إِلَيْهِم، وَزَالَ خَوفه واستقام لَهُ أَمر عمله.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.