تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْعلوِي الصُّوفِي يحتال للخلاص من سجن المعتصم

حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، بِالْبَصْرَةِ، فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، بِكِتَاب المبيضة، لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن عمار، فِي خبر الْعلوِي الصُّوفِي، الْخَارِج بالجوزجان، على المعتصم، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ عبد الله بن طَاهِر حاربه، وأسره، وَبعث بِهِ إِلَى المعتصم، وَهُوَ بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ:

حدثت أَن المعتصم أَمر أَن يبْنى حبس فِي بُسْتَان مُوسَى، كَانَ الْقيم بِهِ مسرور مولى الرشيد.

قَالَ: وَكنت أرى أَعلَى هَذَا الْبناء من دجلة إِذا ركبتها، إِذْ كَانَ كالبئر الْعَظِيمَة، قد حفرت إِلَى المَاء، أَو قريب مِنْهُ، ثمَّ بني فِيهَا بِنَاء على هَيْئَة المنارة، مجوف من بَاطِنه، وَهُوَ من دَاخله مدرج، قد حفر فِيهِ، فِي مَوَاضِع من التدريج، مستراحات، وَبني فِي كل مستراح شَبِيها بِالْبَيْتِ، يجلس فِيهِ رجل وَاحِد، كَأَنَّهُ على مِقْدَاره، يكون مكبوبا على وَجهه، لَا يُمكنهُ أَن يجلس فِيهِ، وَلَا يمد رجلَيْهِ، فَلَمَّا قدم مُحَمَّد، حبس فِي بَيت فِي أَسْفَل ذَلِك الْحَبْس، فَلَمَّا اسْتَقر فِيهِ أَصَابَهُ من الْجهد لضيقه، وظلمته، وَمن الْبرد أَمر عَظِيم، لنداوة الْموضع ورطوبته، فكاد أَن يتْلف من سَاعَته.

فَتكلم بِكَلَام دَقِيق سَمعه من كَانَ فِي أعالي الْبِئْر مِمَّن وكل بالموضع، فَقَالَ: إِن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد قَتْلِي، فالساعة أَمُوت، وَإِن لم يكن يُرِيد قَتْلِي فقد أشفيت عَلَيْهِ.

فَأخْبر المعتصم بذلك، فَقَالَ: مَا أُرِيد قَتله، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ، فَأخْرج وَقد زَالَ عقله، وأغمي عَلَيْهِ، فَطرح فِي الشَّمْس، وطرحت عَلَيْهِ اللحف، وَأمر بحبسه فِي بَيت كَانَ قد بني فِي الْبُسْتَان، فَوْقه غرفَة، وَكَانَ فِي

الْبَيْت خلاء إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، وَفِي الغرفة أَيْضا خلاء آخر إِلَى سطحها، فَلم يزل مَحْبُوسًا فِيهِ حَتَّى تهَيَّأ لَهُ الْخُرُوج فِي لَيْلَة الْفطر سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ.

قَالَ: فَحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَهُوَ ابْن عَم أَبِيه، قَالَ: أَصبَحت يَوْم الْفطر، وَأَنا أتهيأ للرُّكُوب إِلَى الْمصلى، فَأَنا أَشد منطقتي فِي وسطي، وَقد لبست ثِيَابِي أبادر الرّكُوب إِلَى الْمصلى، فَمَا راعني إِلَّا مُحَمَّد بن الْقَاسِم، قد دخل إِلَى منزلي، فملأني رعْبًا وذعرا.

وَقلت لَهُ: كَيفَ تخلصت؟ فَقَالَ: أَنا أدبر أَمْرِي فِي التَّخَلُّص مُنْذُ حبست، وَوصف لي الْخَلَاء الَّذِي كَانَ فِي الْبَيْت الَّذِي حبس فِيهِ إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، والخلاء الَّذِي كَانَ فِي الغرفة إِلَى سطحها.

قَالَ: وَأدْخل معي يَوْم حبست لبد، فَكَانَ وطائي وفراشي.

قَالَ: وَكنت أرى بغرش، وَهِي قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، حِبَالًا تعْمل من لبود، وتضفر كَمَا يفعل بالسيور، فتجيء أحكم شَيْء، فسولت لي نَفسِي أَن أعمل من اللبد الَّذِي تحتي حبلا، وَكَانَ على بَاب الْبَيْت قوم موكلون بِي يحفظونني، لَا يدْخل عَليّ أحد مِنْهُم، إِنَّمَا يكلموني من خلف الْبَاب ويناولوني من تَحْتَهُ مَا أتقوت بِهِ.

فَقلت لَهُم: إِن أظفاري قد طَالَتْ جدا، وَقد احتجت إِلَى مقراض، فَجَاءَنِي رجل يمِيل إِلَى مَذْهَب الزيدية، بمقراض أحد جانبيه منقوش كَأَنَّهُ مبرد.

وَقلت لَهُم: إِن فِي هَذَا الْبَيْت فَارًّا قد آذوني، ويقذرونني إِذا قربوا مني، فَاقْطَعُوا لي جَرِيدَة من النّخل أطردهم بهَا.

فَقطعُوا لي من بعض نخل الْبُسْتَان جَرِيدَة، فرموا بهَا إِلَيّ، وَكنت لَا أَزَال أضْرب بهَا فِي الْبَيْت، أريهم أَنِّي أطْرد الفار، وأسمعهم صَوتهَا أَيَّامًا، ثمَّ قشرت الخوص عَنْهَا، وقطعتها على مِقْدَار مَا ظَنَنْت أَنه يعْتَرض فِي ذَلِك الْخَلَاء إِذا رميت بهَا، فضممت مَا قطعته مِنْهَا بعضه إِلَى بعض، وقصصت اللبد، وفتلت مِنْهُ حبلا، على مَا كنت أرى يعْمل بغرش، ثمَّ شددت مَا قطعته من الجريدة فِي رَأس الْحَبل، ثمَّ رميت بِهِ فِي الكوة، وعالجته مرَارًا حَتَّى اعْترض فِيهَا، ثمَّ اعتمدت عَلَيْهَا وصعدت إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَفعلت ذَلِك مرَارًا، فِي أَيَّام كَثِيرَة، وتمكنت من الْحَرَكَة؛ لِأَنِّي بردت بِجَانِب المقراض إِحْدَى حلقتي الْقَيْد، وَلم يمكنني أَن أبرد الْأُخْرَى، فَكنت إِذا أردْت الْحَرَكَة، شددت الْقَيْد مَعَ ساقي، وأتحرك، وَقد صرت مُطلقًا.

فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه اللَّيْلَة، وَقد شغل النَّاس بالعيد، وَانْصَرف من كَانَ على الْبَاب من الموكلين، فَلم أحس مِنْهُم أحدا إِلَّا شَيخا وَاحِدًا كنت أسمع كَلَامه وحركته، وأطلع فَأرَاهُ.

فَصَعدت بَين العشائين إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَأَشْرَفت، فَإِذا المعتصم يفْطر وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ، والشموع تزهر، فَرَجَعت.

فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل صعدت وَالنَّاس نيام، وَنزلت إِلَى الْبُسْتَان، فَإِذا فِيهِ قَائِد وَمَعَهُ جمَاعَة، فصاح بِي بَعضهم: من أَنْت؟

قلت: مديني من أَصْحَاب الْحمام، وَكَانَ فِي الْبُسْتَان مِنْهُم جمَاعَة يشرفون على أَمر الْحمام.

فَقَالَ لي: إِلَى أَيْن تخرج السَّاعَة، اطرَح نَفسك حَتَّى تصبح، وتفتح الْأَبْوَاب، فطرحت نَفسِي بَينهم، حَتَّى فتح بَاب الْبُسْتَان فِي الْغَلَس، وَقد تحرّك النَّاس، فصرت إِلَى دجلة لأعبر، فَوجدت الشَّيْخ الَّذِي كَانَ بَقِي من الموكلين بِي يُرِيد العبور، فَنزلت لأعبر، فَطلب مني الملاح قِطْعَة، فَقلت لَهُ: مَا معي شَيْء، أَنا رجل غَرِيب ضَعِيف الْحَال.

فَقَالَ لي الشَّيْخ: اعبر، فَأَنا أعْطِيه عَنْك، وَأَعْطَاهُ الشَّيْخ عني قِطْعَة، وعبرت حَتَّى جئْتُك.

قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن: فَقلت لَهُ: وَالله، مَا منزلي لَك بِموضع، فَاخْرُج عني من ساعتك، وَلَا تقم فِيهِ لَحْظَة، وَركبت إِلَى الْمصلى.

فَصَارَ إِلَى منزل رجل من الشِّيعَة، فأخفاه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.