تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كَيفَ تخلص عمر بن هُبَيْرَة من السجْن

حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي سُلَيْمَان بن أبي شيخ، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن زِيَاد، قَالَ: كَانَ عمر بن هُبَيْرَة، واليا على الْعرَاق، ولاه يزِيد بن عبد الْملك، فَلَمَّا مَاتَ يزِيد بن عبد الْملك، واستخلف هِشَام، قَالَ عمر بن هُبَيْرَة: سيولي هِشَام الْعرَاق، أحد الرجلَيْن، سعيدا الْحَرَشِي،

أَو خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، فَإِن ولى ابْن النَّصْرَانِيَّة، خَالِدا، فَهُوَ الْبلَاء.

فولى هِشَام خَالِدا الْعرَاق، فَدخل واسطا، وَقد أذن عمر بِالصَّلَاةِ، وَقد تهَيَّأ، واعتم، وَبِيَدِهِ الْمرْآة يُسَوِّي عمَامَته، إِذْ قيل لَهُ: هَذَا خَالِد قد دخل، فَقَالَ عمر: هَكَذَا تقوم السَّاعَة، تَأتي بَغْتَة.

فَتقدم خَالِد، وَأخذ عمر بن هُبَيْرَة، فقيده، وَألبسهُ مدرعة صوف، فَقَالَ لَهُ: يَا خَالِد، بئس مَا سننت على أهل الْعرَاق، أما تخَاف أَن تصرف فتبتلى بِمثل هَذَا؟ فَلَمَّا طَال حَبسه، جَاءَ موَالِيه، واكتروا دَارا بِجَانِب الْحَبْس، ثمَّ نقبوا مِنْهَا سربا إِلَى الْحَبْس، واكتروا دَارا إِلَى جَانب سور الْمَدِينَة، مَدِينَة وَاسِط، فَلَمَّا جَاءَت اللَّيْلَة الَّتِي أَرَادوا أَن يخرجوه فِيهَا من الْحَبْس، وَقد أفْضى النقب إِلَى الْحَبْس، فَأخْرج فِي السرب، ثمَّ خرج من الدَّار يمشي، حَتَّى بلغ الدَّار الَّتِي إِلَى جَانب السُّور، وَقد نقب فِي السُّور نقب إِلَى خَارج الْمَدِينَة، وَقد هيأت لَهُ خيل، فَركب وَسَار، وَعلم بِهِ بعد مَا أَصْبحُوا، وَقد كَانَ أظهر عِلّة قبل ذَلِك ليمسكوا عَن تفقده فِي كل وَقت.

فَأتبعهُ خَالِد، سعيد الْحَرَشِي، فَلحقه، وَبَينه وَبَين الْفُرَات شَيْء يسير، فتعصب لَهُ وَتَركه.

فَقَالَ الفرزدق فِي ذَلِك:

وَلما رَأَيْت الأَرْض قد سد ظهرهَاوَلم يبْق إِلَّا بَطنهَا لَك مخرجا
دَعَوْت الَّذِي ناداه يُونُس بعد مَاثوى فِي ثَلَاث مظلمات ففرجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
خرجت وَلم يمنن عَلَيْك سفاهةسوى زَائِد التَّقْرِيب من آل أعوجا
فَأَصْبَحت تَحت الأَرْض قد سرت لَيْلَةوَمَا سَار سارٍ مثلهَا حِين أدلجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»

قَالَ سُلَيْمَان بن أبي شيخ: فَحَدثني ابْن أبي خيرة، عَن أبي الحبحاب،

قَالَ: حَدثنِي خازم، مولى ابْن هُبَيْرَة، قَالَ: كنت مَعَ عمر بن هُبَيْرَة حِين هرب من السجْن، فسرنا حَتَّى بلغنَا دمشق، بعد الْعَتَمَة، فَأتى مسلمة بن عبد الْملك، فأجاره، وأنزله مَعَه فِي بَيته، وَصلى مسلمة خلف هِشَام الصُّبْح.

فَلَمَّا دخل هِشَام دَاره اسْتَأْذن عَلَيْهِ مسلمة، فَأذن لَهُ، فَدخل.

فَقَالَ لَهُ هِشَام: يَا أَبَا سعيد، أَظن ابْن هُبَيْرَة قد طرقك اللَّيْلَة.

قَالَ: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقد أجرته، فهبه لي.

قَالَ: قد وهبته لَك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.