تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مَحْبُوس يتحدث عَن هَلَاك الْحجَّاج

قَالَ عمَارَة بن عقبَة، من آل سلمى بن المهير، حَدثنِي ملازم بن حرَام الْحَنَفِيّ، عَن عَمه ملازم بن قريب الْحَنَفِيّ، قَالَ: كنت فِي حبس الْحجَّاج بِسَبَب الحرورية، فحبس مَعنا رجل، فَأَقَامَ حينا لَا نَسْمَعهُ يتَكَلَّم بِكَلِمَة.

حَتَّى كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ الْحجَّاج فِي اللَّيْلَة الَّتِي تليه، أقبل غراب فِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم، فَوَقع على حَائِط السجْن، فنعق.

فَقَالَ لَهُ الرجل: وَمن يقدر على مَا تقدر عَلَيْهِ يَا غراب؟ ثمَّ نعق الثَّانِيَة، فَقَالَ: مثلك من بشر بِخَير، يَا غراب.

ونعق الثَّالِثَة، فَقَالَ لَهُ: من فِيك إِلَى السَّمَاء يَا غراب.

فَقُلْنَا لَهُ: مَا سمعناك تَكَلَّمت مُنْذُ حبست إِلَى السَّاعَة، فَمَا دعَاك إِلَى مَا قلت؟ فَقَالَ: إِنَّه نعق الأولى، فَقَالَ: وَقعت على ستْرَة الْحجَّاج.

فَقلت: وَمن يقدر على مَا تقدر عَلَيْهِ؟ ثمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَة: إِن الْحجَّاج وجع.

فَقلت: مثلك من بشر بِخَير.

ثمَّ نعق الثَّالِث، فَقَالَ: اللَّيْلَة يَمُوت الْحجَّاج.

فَقلت: من فِيك إِلَى السَّمَاء.

ثمَّ قَالَ: إِن انبلج الصُّبْح قبل أَن أخرج، فَلَيْسَ عَليّ بَأْس، وَإِن دعيت قبل الصُّبْح، فستضرب عنقِي، ثمَّ تلبثون ثَلَاثًا لَا يدْخل عَلَيْكُم أحد، ثمَّ يستدعى بكم فِي الْيَوْم الرَّابِع فتطالبون بالكفلاء، فَمن وجد لَهُ كَفِيلا، خلي سَبيله، وَمن لم يُوجد لَهُ كَفِيل، فَلهُ ويل طَوِيل.

فَلَمَّا دخل اللَّيْل سمعنَا الصُّرَاخ على الْحجَّاج، وَأخذ الرجل قبل الصُّبْح فَضربت عُنُقه، ثمَّ لم يدْخل علينا أحد ثَلَاثَة أَيَّام.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع استدعينا، فَطلب منا الكفلاء، حَتَّى صَار الْأَمر إِلَيّ، فَلم يكن لي كَفِيل.

فَمَكثت طَويلا حَتَّى خفت أَن أرد إِلَى الْحَبْس، فَتقدم رجل فضمنني.

فَقلت لَهُ: من أَنْت يَا عبد الله، حَتَّى أشكرك.

فَقَالَ: اذْهَبْ، فلست بمسئول عَنْك أبدا.

فَانْطَلَقت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.