تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

يحسن إِلَى كَاتب بغا الْكَبِير على غير معرفَة مِنْهُ لَهُ

وَقَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الإسكافي: كنت أكتب لبغا الْكَبِير، فصرفني، ونكبني، وَأخذ مَالِي وضياعي، وحبسني بعد ذَلِك، وتهددني، ونالني مِنْهُ كل مَكْرُوه.

فَإِنِّي لفي حَبسه، إِذْ سَمِعت حَرَكَة، فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل لي: قد وافى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، صَاحب الشرطة.

فَقلت: إِنَّمَا حضر لعقوبتي، فطارت نَفسِي جزعا.

فَلم ألبث أَن دعيت، فَحملت إِلَيْهِ فِي قيودي، وَعلي ثِيَاب فِي نِهَايَة الْوَسخ، فأدخلت عَلَيْهِ كالميت لما بِي ولعظيم الْخَوْف، فَلَمَّا وَقعت عين إِسْحَاق عَليّ، تَبَسم، فسكنت نَفسِي.

فَقَالَ لي بغا: إِن أخي أَبَا الْعَبَّاس، يَعْنِي: عبد الله بن طَاهِر، كتب إِلَيّ يشفع فِي أَمرك، وَقد شفعته، وأزلت عَنْك الْمُطَالبَة، ورضيت عَنْك، ورددت عَلَيْك ضياعك، فَانْصَرف إِلَى مَنْزِلك.

فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا، لعظم مَا ورد على قلبِي من السرُور، ففكت قيودي، وغيرت حَالي، وانصرفت.

فَبت لَيْلَتي، وبكرت فِي السحر إِلَى إِسْحَاق لأشكره، وأسأله عَمَّا أوجب

مَا جرى؛ لِأَنَّهُ شَيْء مَا طمعت فِيهِ، وَلَا كَانَت لي وَسِيلَة إِلَى أبي الْعَبَّاس وَلَا إِسْحَاق، فَلَقِيته، وشكرته، ودعوت لَهُ وَلأبي الْعَبَّاس، وَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك.

فَقَالَ: ورد عَليّ كتاب الْأَمِير أبي الْعَبَّاس يَقُول: قد كَانَت كتب أبي مُوسَى بغا ترد عَليّ بمخاطبات توجب الْأنس والخلطة، وَتلْزم الشُّكْر والْمنَّة، ثمَّ تَغَيَّرت فبحثت عَن السَّبَب، فَعلمت أَن ذَلِك الْكَاتِب صرف، وَأَنه منكوب، وَحقّ لمن أحسن عشرتنا، ووكد الْمحبَّة بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا، حَتَّى بَان لنا موقعه، وعرفنا مَوْضِعه لما صرف، أَن نرعى حَقه، فصر، أبقاك الله، إِلَى أخي أبي مُوسَى، وسله فِي أَمر كَاتبه المصروف، عني، واستصفحه عَمَّا فِي نَفسه مِنْهُ، واستطلقه، وسله رده إِلَى كتبته، وَإِن كَانَ مَا يُطَالِبهُ بِهِ مِمَّا لَا ينزل عَنهُ، فأده عَنهُ من مالنا، كَائِنا مَا كَانَ.

فَلَقِيته، فَفعل مَا رَأَيْت، وَأَنا أعاود الْخطاب فِي استكتابك، وَقد أَمر لَك الْأَمِير بِكَذَا وَكَذَا، من المَال، فَخذه.

فَأَخَذته، وشكرته، ودعوت للأميرين، وانصرفت.

فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام، حَتَّى ردني إِسْحَاق إِلَى كِتَابَة بغا بشفاعة أبي الْعَبَّاس، وَرجعت حَالي ونعمتي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.