تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

حسن سيرته كَانَت سَبَب اعتقاله

وَحدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْأَثْرَم، فِي كتاب المبيضة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنِي هَاشم بن أَحْمد بن الْأَشْهب الْبَغَوِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن رَبَاح الْجَوْهَرِي، قَالَ: حَدثنِي الْمفضل بن حَمَّاد الْكُوفِي، من أَصْحَاب الْحسن بن صَالح بن حَيّ، بوفاة عِيسَى بن زيد بن عَليّ، بِالْكُوفَةِ، وَكَيف ستر ذَلِك عَن الْمهْدي، فَذكر حَدِيثا طَويلا، قَالَ فِيهِ: لما تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار على الرشيد، بِحسن طَريقَة أَحْمد بن عِيسَى بن زيد، وميل النَّاس إِلَيْهِ، أَمر بِحمْلِهِ، فَحمل إِلَى بَغْدَاد، وَمَعَهُ الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵃، وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد بن الْقَاسِم الصُّوفِي الْخَارِج بخراسان فِي أَيَّام المعتصم، فحبسا عِنْد الْفضل بن الرّبيع، فَكَانَا فِي حَبسه فِي دَاره الشارعة على دجلة، قرب رَأس الجسر، بمشرعة الصخر.

وَكَانَ حسن الصَّنِيع إِلَيْهِمَا، يؤتيان بمائدة كمائدته الَّتِي تُوضَع بَين يَدَيْهِ، ويواصلان من الْحَلْوَى والفاكهة، والثلج فِي الصَّيف، بِمثل مَا يكون على

مائدته، فَإِذا أكلا، رفعت من بَين أَيْدِيهِمَا، وَوضعت بَين أَيدي الموكلين بهما.

فأكلا يَوْمًا من الْأَيَّام، وَرفعت الْمَائِدَة فَجعلت بَين يَدي الموكلين بهما، فَأَكَلُوا، وَأَكْثرُوا، وَدخل وَقت القائلة، فَنَامُوا م، فَخرج أَحْمد بن عِيسَى إِلَى حب فِي نَاحيَة الدهليز، فَرَأى الْقَوْم نياما، فغرف من الْحبّ، بالكوز الَّذِي مَعَه، ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ للقاسم: يَا هَذَا اعْلَم أَنِّي قد رَأَيْت فرْصَة بَيِّنَة، وَهَؤُلَاء نيام، وَالْبَاب غير مقفل، لم يحكموا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ إغلاقه، فَاخْرُج بِنَا.

فَقَالَ لَهُ الْقَاسِم: أنْشدك الله، فَإنَّك تعلم، أَنا فِي عَافِيَة من كثير مِمَّا فِيهِ أهل الحبوس، وَالْفضل محسن إِلَيْنَا.

فَقَالَ لَهُ أَحْمد: دَعْنِي مِنْك، وَاعْلَم أَن الْعَلامَة بيني وَبَيْنك، أَن أغرف من الْحبّ، فَإِن تحرّك الْقَوْم رجعت إِلَيْك، وَكَانَت علتي ظَاهِرَة بسب الْكوز، وَإِن لم يتحركوا، فَأَنا وَالله خَارج، وتاركك بموضعك، وَاعْلَم أَنَّك لَا تسلم بعدِي.

ثمَّ خرج، فغرف من الْحبّ بالكوز، ثمَّ طَرحه من قامته، قَالَ: وَكَانَ أطول مني ومنك، فَمَا تحرّك أحد مِنْهُم، ثمَّ انثنى عَليّ، وَقَالَ: قد رَأَيْت مَا استظهرت بِهِ لَك ولنفسي، وَأَنا وَالله خَارج، ثمَّ مضى، وَاتبعهُ الْقَاسِم، ففتحا الْبَاب، وخرجا، فَقَالَا: لَا نَجْتَمِع فِي طَرِيق، وَلَكِن موعدنا، مَوضِع كَذَا.

فَلَمَّا جازا العتبة بِخَمْسِينَ ذِرَاعا، لقيهمَا غُلَام للفضل بن الرّبيع، مدنِي، أعرف بهما من أَنفسهمَا، فبهت الْغُلَام لما رآهما، فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَحْمد، بكمه، كالآمر بغضب: تَنَح، فَمَا ملك الْغُلَام نَفسه أَن تنحى، ثمَّ كَانَ عزمه أَن يَسْتَقِيم فِي طَرِيقه ذَاك، فَلَمَّا بلي من الْغُلَام بِمَا بلي، عدل عَن تِلْكَ الطَّرِيق، وَسَار فِي طَرِيق أُخْرَى للاستظهار على الْغُلَام، وأسرع حَتَّى نجا، وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.