من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مُحَمَّد الحمداني يحل مَحل أَخِيه فِي إِمَارَة الْموصل
وَمن طريف مَا شَاهَدْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب: أَن أَبَا تغلب، فضل الله، عدَّة الدولة، ابْن نَاصِر الدولة أبي مُحَمَّد، استوحش من أَخِيه مُحَمَّد، بعد موت أَبِيهِمَا، فَقبض عَلَيْهِ، واستصفى مَاله، وَقبض عقاره وضياعه، وَنعمته،
وَثقله بالحديد، وأنفذه إِلَى القلعة الْمَعْرُوفَة بأردمشت، وَهِي مَشْهُورَة حَصِينَة، من أَعمال الْموصل، فحبسه بهَا فِي مطمورة، ووكل بحفظه عجوزا يَثِق بهَا، جلدَة ضابطة، يُقَال لَهَا: نازبانو، وأمرها أَن لَا توصل إِلَيْهِ أحدا، وَلَا تعرفه خَبرا، وَأَن تخفي مَوْضِعه عَن جَمِيع شحنة القلعة وحفظتها، فَفعلت ذَلِك، فَأَقَامَ على حَاله تِلْكَ نَحْو ثَمَان سِنِين.
ثمَّ اتّفق أَن انحدر أَبُو تغلب معاونا لعز الدولة أبي مَنْصُور بختيار بن
معز الدولة أبي الْحُسَيْن، ومعهما العساكر، يقصدان بَغْدَاد لمحاربة عضد الدولة، وتاج الْملَّة أبي شُجَاع، وَخرج للقائهما، فَكَانَت بَينهم الْوَاقِعَة الْعَظِيمَة بقصر الجص، وَقتل فِيهَا عز الدولة بختيار، وَانْهَزَمَ أَبُو تغلب، فَدخل الْموصل، وَخَافَ من تخلص أَخِيه مُحَمَّد، فَكتب إِلَى غُلَام لَهُ، كَانَت القلعة مسلمة إِلَيْهِ، يُقَال لَهُ: طاشتم، أَن يُمكن صَالح بن بانويه، رَئِيس الأكراد، وَكَانَ كالشريك لطاشتم فِي حفظ القلعة، من أَخِيه مُحَمَّد بن نَاصِر الدولة، ليمضي فِيهِ مَا أمره بِهِ، وَكتب إِلَى صَالح، يَأْمُرهُ بقتل مُحَمَّد، فمكن طاشتم صَالحا مِنْهُ.
فَلَمَّا أَرَادَ الدُّخُول على مُحَمَّد، ليَقْتُلهُ، منعت نازبانو من ذَلِك، وَقَالَت: لَا أمكن مِنْهُ، إِلَّا بِكِتَاب يرد عَليّ من أبي تغلب.
وشارف عضد الدولة الْموصل، وأجفل عَنْهَا أَبُو تغلب، وكردته العساكر،
فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الطّلب، وَورد عَلَيْهِ كتاب من القلعة بِمَا قَالَت نازبانو، فَإلَى أَن يُجيب عَنهُ، أحَاط عَسَاكِر عضد الدولة بالقلعة، ونازلوها، فَانْقَطع مَا بَين أبي تغلب وَبَينهَا، فَلم يصل إِلَيْهَا كتاب، وَفتحهَا عضد الدولة بعد شهور، بِأَن واطأه صَالح، بِالْقَبْضِ على طاشتم، وَكتب إِلَيْهِ يعرفهُ بِمَا عمله، ويستأمره فِيمَا يعمله.
وَكَانَ لمُحَمد خصي أسود مَمْلُوك، يَلِي أَمر دَاره، اسْمه نَاصح، وَكَانَ بعد الْقَبْض على مُحَمَّد، قد وَقع إِلَى عضد الدولة، وَهُوَ بِفَارِس، فَصَارَ من وُجُوه خدمه، وَحضر مَعَه وقْعَة قصر الجص، فَلَمَّا ورد خبر فتح القلعة، أذكرهُ نَاصح بوعد كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي إِطْلَاق مَوْلَاهُ مُحَمَّد، إِذا فتح القلعة، فَكتب بِأَن يطْلب مُحَمَّد فِي القلعة، فَإِن وجد حَيا، أطلق وأنفذ بِهِ إِلَيْهِ مكرما، فحين دخل صَالح، وَمَعَهُ من صعد إِلَى القلعة من أَصْحَاب عضد الدولة، إِلَى مُحَمَّد فِي محبسه، جزع جزعا شَدِيدا، وَلم يشك أَنهم يُرِيدُونَ قَتله، بِأَمْر أبي تغلب، فَأخذ يتَضَرَّع، وَيَقُول: مَا يَدْعُو أخي إِلَى قَتْلِي.
فَقَالَ لَهُ صَالح: لَا خوف عَلَيْك إِنَّمَا أمرنَا الْملك أَن نطلقك، وتمضي إِلَيْهِ مكرما، فقد ملك هَذِه الْبِلَاد.
فَقَالَ: أغلب ملك الرّوم على هَذِه النواحي، وَفتح القلعة؟ قَالُوا: لَا، وَلَكِن الْملك عضد الدولة.
قَالَ: الَّذِي كَانَ بشيراز؟ قَالُوا: نعم، وَقد جَاءَ إِلَى بَغْدَاد.
قَالَ: وَأَيْنَ بختيار؟ قَالُوا: قتل.
قَالَ: وَأَبُو تغلب؟
قَالُوا: انهزم وَدخل إِلَى بِلَاد الرّوم.
قَالَ: وَأَيْنَ عضد الدولة؟ قَالُوا: بالموصل، وَهُوَ ذَا نحملك إِلَيْهِ مكرما.
فَسجدَ حِينَئِذٍ، وَبكى بكاء شَدِيدا، ثمَّ حمد الله، فأرادوا فك قيوده، فَقَالَ: لَا أمكن من ذَلِك، إِلَّا أَن يُشَاهد حَالي الْملك.
فَحمل إِلَى الْموصل إِلَى عضد الدولة، فرأيته وَقد أصعد بِهِ مُقَيّدا من الْمعبر الَّذِي عبر فِيهِ فِي دجلة، إِلَى دَار أبي تغلب الَّتِي نزل بهَا عضد الدولة بالموصل، وَكنت أَنا إِذْ ذَاك أتقلدها لَهُ، وَجَمِيع مَا فَتحه مِمَّا كَانَ فِي يَد أبي تغلب مُضَافا إِلَى حلوان، وَقطعَة من طَرِيق خُرَاسَان، فَرَأَيْت مُحَمَّدًا يمشي فِي قيوده، حَتَّى دخل إِلَيْهِ، فَقبل الأَرْض بَين يَدي عضد الدولة، ودعا لَهُ، وشكره، فَأخْرج إِلَى حجرَة من الدَّار، فَأخذ حديده، وَحمل على فرس فاره بمركب ذهب، وَقيد بَين يَدَيْهِ خمس دَوَاب بمراكب فضَّة مذهبَة، وَخمْس بجلالها، وَثَلَاثُونَ بغلا محملة مَالا صامتا، وَمن صنوف الثِّيَاب الفاخرة،
والفرش السّري، وَالطّيب، والآلات المرتفعة الْقدر، وَنقل إِلَى دَار قد فرغت لَهُ، وفرشت بفرش حسن، وملئت بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الصفر، والآلات، والعلوفات، وَالْحَيَوَان، والحلوى، وأطعمة نقلت إِلَيْهِ من المطبخ، وأنبذة، وَغير ذَلِك.
ثمَّ أقطعه بعد أَيَّام، إقطاعا بِثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، وولاه إِمَارَة بَلَده وأعماله، وَجَمِيع مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَبُو تغلب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع