تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ يرى مناما فيتوب عَن فعل الْمُنكر

حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَهد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْقَاسِم السَّعْدِيّ يحدث أبي بِبَغْدَاد، قَالَ: كنت وَأَنا حدث السن، مشغوفا بِغُلَام لبي شغفا شَدِيدا، منهمكا مَعَه فِي الْفساد، فَكَانَ رُبمَا هجرني، فأترضاه بِكُل مَا أقدر عَلَيْهِ، حَتَّى يرضى.

قَالَ: وَإنَّهُ غضب عَليّ مرّة غَضبا شَدِيدا، فهرب، واستتر عني خَبره، فلحقني من الْحيرَة والوله، مَا قطعني عَن النّظر فِي أَمْرِي، وصيرني كَالْمَجْنُونِ، وَاجْتَهَدت فِي صرف ذَلِك عني فَمَا انْصَرف.

وَحضر وَقت خُرُوج النَّاس إِلَى الحائر، على ساكنه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكتبت رقْعَة أسأَل الله ﷿ فِيهَا الْفرج مِمَّا أَنا فِيهِ، وأتوسل إِلَى الله تَعَالَى بالحسين بن عَليّ ﵄، ودفعتها إِلَى بعض من خرج، وَسَأَلته أَن يَدْفَعهَا فِي نَاحيَة من الْقَبْر.

وَكَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، فَفَزِعت إِلَى الله، فِي كشف مَا بِي، وتفردت بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء، قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ حَملَنِي النّوم.

فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي فِي مَقَابِر قُرَيْش، وَالنَّاس مجتمعون فِيهَا، إِذْ قيل: قد جَاءَ الْحُسَيْن بن عَليّ، وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ، للزيارة.

فتشوفت لرؤيتهما، فَإِذا بالحسين، فِي صُورَة كهل، حسن الْوَجْه، بدراعة، وعمامة، وخف، قد أقبل، وَمَعَهُ فَاطِمَة ﵍، متنقبة بنقاب أَبيض، وَمِلْحَفَة بَيْضَاء.

فاعترضت الْحُسَيْن، وَقلت: يَابْنَ رَسُول الله، كتبت إِلَيْك رقْعَة فِي حَاجَة لي، فَإِن رَأَيْت أَن تعْمل فِيهَا؟ فَلم يجبني، وَدخل إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى ﵃، وَدخلت فَاطِمَة ﵍ مَعَه، وَكَأن قوما قد وقفُوا يمْنَعُونَ النَّاس من الدُّخُول إِلَيْهَا، فمل أزل أكابس وأتوصل، إِلَى أَن دخلت، فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْخطاب، فَلم يجبني.

فَقلت لفاطمة: يَا سيدة النِّسَاء، إِن رَأَيْت أَن تعملي فِي أَمْرِي.

فَقَالَت: على أَن تتوب؟ فَقلت: نعم.

فَقَالَت: الله؟ فَقلت: الله.

فكررت ذَلِك عَليّ ثَلَاثًا، ثمَّ أَوْمَأت إِلَى جمَاعَة مِمَّن كَانُوا قيَاما، فَقَالَت: خذوه، فأخذوني، ونزعت خَاتمًا من يَدهَا فَدَفَعته إِلَيْهِم، وخاطبتهم بِمَا لم أفهمهُ، فحملوني حَتَّى غبت من عينهَا، وأضجعوني وحلوا سراويلي وشدوا

ذكري بخيط حَلَبِيّ، وَوَضَعُوا على الشد طينا وختموه بالخاتم.

فورد عَليّ من الْأَلَم أَمر عَظِيم أنبهني، فانتبهت وَقد أثر الْخَيط فِي الْموضع، وَصَارَ أثر الْخَاتم كَأَنَّهُ الجديري، مستديرا حول الْموضع، ثمَّ قَالَ لأبي: إِن شِئْت كشفت لَك فأريتك، فقد أريته لجَماعَة، فَقَالَ: لَا أستحل النّظر إِلَى ذَلِك.

قَالَ السَّعْدِيّ: فَأَصْبَحت من غَد، وَمَا فِي قلبِي أَلْبَتَّة من الْغُلَام شَيْء، وابتعت الْجَوَارِي، فَكنت أطأهن، لَا أنكر من جماعي شَيْئا.

ثمَّ طالبتني بالغلمان، فدافعتها مُدَّة، ثمَّ غلبتني الشَّهْوَة، فاستدعيت غُلَاما، فَلم أقدر عَلَيْهِ، واسترخى الْعُضْو، وَبَطل، فَلَمَّا فارقته، أنعظت، فعاودته، فاسترخى، فجربت ذَلِك على عدَّة غلْمَان، فَكَانَت صُورَتي وَاحِدَة فجددت تَوْبَة ثَانِيَة، وَمَا نقضتها بعد ذَلِك.

قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَكَانَ أَبُو عَليّ الْقَارئ الضَّرِير، قد سمع معي هَذَا الْخَبَر من السَّعْدِيّ، فَأَخْبرنِي بعد مُدَّة طَوِيلَة، وَحلف لي على ذَلِك، أَنه رأى فَاطِمَة ﵂، فِي النّوم، قَالَ: فَقلت لَهَا: يَا سيدتي، مَنَام السَّعْدِيّ الَّذِي حَكَاهُ صَحِيح؟ فَقَالَت: نعم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.