تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

صَاحب الشرطة بِبَغْدَاد يرى مناما يرشده إِلَى الْقَاتِل وَيُبرئ فيجا مَظْلُوما

وجدت فِي كتاب: حدث الْقَاسِم بن كرسوع، صَاحب أبي جَعْفَر محبرة، قَالَ: كَانَ ابْن أبي عون، صَاحب الشرطة، قد وعد محبرة أَنه يَجِيئهُ للإقامة عِنْده، وَالشرب مصطبحا على ستارته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، وَتعلق قلب محبرة بتأخره، فَبعث غُلَاما لَهُ يَطْلُبهُ وَيعرف خَبره فِي تَأَخره.

فَعَاد إِلَى محبرة، وَقَالَ: وجدته فِي مجْلِس الشرطة، يضْرب رجلا بالسياط، وَذكر أَنه يَجِيء السَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، جَاءَ ابْن أبي عون، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: أفسدت صبوحنا، وشغلت قلبِي بتأخرك، فَمَا سَبَب ذَلِك؟

فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي، كَأَنِّي بكرت بلَيْل لأجيك، وَلَيْسَ بَين يَدي إِلَّا غُلَام وَاحِد، فسرت فِي خراب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب، لأجيء إِلَى رحبة الجسر، فَإِنِّي لأسير فِي الْقَمَر، إِذْ رَأَيْت شَيخا بهيا نظيف الثَّوْب، على رَأسه قلنسوة لاطية، وَفِي يَده عكاز، فَسلم عَليّ، وَقَالَ: إِنِّي أرشدك إِلَى مَا فِيهِ مثوبة: فِي حَبسك فيج مظلوم، وافى من الْمَدَائِن،

فِي وَقت ضيق، فاتهم بِأَنَّهُ قتل رجلا، وَهُوَ بَرِيء من دَمه، وَقد ضرب وَحبس، وَقَاتل الرجل غَيره، وَهُوَ فِي غرفَة وسطى من ثَلَاث غرف مَبْنِيَّة على طاق العكي بالكرخ، واسْمه فلَان بن فلَان، ابْعَثْ من يَأْخُذهُ، فَإنَّك ستجده سَكرَان، عُرْيَان، بسراويل، وَفِي يَده سكين مخضبة بِالدَّمِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا ترى، وَأطلق الفيج البائس.

قلت: أفعل، وانتبهت، فركبت، وسرت، حَتَّى وافيت رحبة الجسر، فَقلت: مَا حدث فِي هَذِه اللَّيْلَة؟

فَقَالُوا: وجدنَا هَذَا الْقَتِيل، وَهَذَا الفيج مَعَه، فضربناه، وَلم يقر.

فَرَأَيْت بِهِ أثر ضرب عَظِيم، فَسَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: أَنا مَعْرُوف بِالْمَدَائِنِ بسلامة الطَّرِيقَة، ومعاشي التفيج، أنفذني فلَان بن فلَان من الْمَدَائِن، إِلَى فلَان بن فلَان من أهل بَغْدَاد، بِهَذِهِ الْكتب، وَأخرج إضبارة، فَدخلت أَوَائِل بَغْدَاد وَقت الْعَتَمَة، فوجت فِي الطَّرِيق رجلا مقتولا، فَجَزِعت، وَلم أدر أَيْن آخذ، فَأَنا على حَالي إِذْ أدركني الأعوان، فظنوني قتلته، وَوَاللَّه مَا أعرفهُ، وَلَا رَأَيْته قطّ، وَقد حبسوني وضربوني، فَالله، الله، فِي دمي.

فَقلت: قد فرج الله عَنْك، انْطلق حَيْثُ شِئْت، ثمَّ أخذت الرجالة، ومضيت إِلَى طاق العكي، فَإِذا الثَّلَاث غرف مصطفة، فهجمت على الْوُسْطَى، فَإِذا فِيهَا رجل سَكرَان عَلَيْهَا سَرَاوِيل فَقَط، وَفِي يَده سكين مخضب بِالدَّمِ، وَهُوَ يَقُول: أَخ عَلَيْك، والك، نعم يَا سَيِّدي، أَنا جرحته، أَخُو القحبة، وَإِن مَاتَ فَأَنا قتلته، فأنزلته مكتوفا، وَبعثت بِهِ إِلَى الْحَبْس، وانحدرت إِلَى الْمُوفق، فأعلمته بِالْحَدِيثِ، فتعجب، وَتقدم إِلَيّ أَن أضْرب الْقَاتِل بالسياط إِلَى أَن يتْلف، وأصلبه فِي مَوضِع جِنَايَته، فتشاغلت بذلك إِلَى أَن فرغت مِنْهُ، ثمَّ جئْتُك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.