من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عزم على قَتله ثمَّ من عَلَيْهِ وَأطْلقهُ ثمَّ يمن عَلَيْهِ ويطلقه
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، وَكَانَ ابْن أخي مُوسَى بن إِسْحَاق القَاضِي الْأنْصَارِيّ، قَالَ: كنت خرجت مَعَ أبي، وَهُوَ يكْتب لأبي جَعْفَر الْكَرْخِي مُحَمَّد بن الْقَاسِم، لما تقلد الْموصل والديارات، وَكَانَ قد ضم إِلَى أبي جَعْفَر جمَاعَة من قواد السُّلْطَان، فَلَمَّا صرنا بنصيبين كَانَ أبي قد مضى وَأَنا مَعَه إِلَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد
بن كشمرد مُسلما عَلَيْهِ، فتحدثا، فَسَمعته يحدثه، قَالَ: لما أسرني أَبُو طَاهِر القرمطي، فِيمَن أسره بالهبير، حَبَسَنِي وَأَبا الهيجاء،
والغمر، فِي ثَلَاث حجر مُتَقَارِبَة، ومكننا أَن نتزاور، ونجتمع على الحَدِيث.
فمكن أَبَا الهيجاء خَاصَّة، واختص بِهِ، وَعمل على إِطْلَاقه، وشفعه فِي أَشْيَاء.
فَسَأَلت أَبَا الهيجاء أَن يسْأَله إطلاقي، فوعدني، واستدعاه القرمطي، فَمضى إِلَيْهِ وَعَاد إِلَى حجرته، فَجئْت وَسَأَلته: هَل خاطبه؟ فدافعني.
فَقلت: لَعَلَّك أنسيت؟ فَقَالَ: لَا وَالله، ولوددت أَنِّي مَا ذكرتك لَهُ، إِنِّي وجدته متغيظا عَلَيْك، فَقَالَ: وَالله، لَأَضرِبَن عُنُقه عِنْد طُلُوع الشَّمْس فِي غَد.
ورحل أَبُو الهيجاء، فورد عَليّ أَمر عَظِيم، وعدت إِلَى حُجْرَتي، وَقد يئست من الْحَيَاة، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن قَائِلا يَقُول لي: اكْتُبْ فِي رقْعَة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من العَبْد الذَّلِيل، إِلَى الْمولى الْجَلِيل، مسني الضّر وَالْخَوْف، وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ، فَبِحَق مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، اكشف همي وحزني، وَفرج عني، واطرح هَذِه الرقعة فِي هَذَا النَّهر، وَأَوْمَأَ إِلَى ساقية كَانَت تجْرِي هُنَاكَ فِي المطبخ.
فانتبهت من نومي، وكتبت الرقعة، وطرحتها فِي الساقية.
فَلَمَّا كَانَ السحر استدعاني القرمطي، فَلم أَشك أَنه الْقَتْل، فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ أدناني وأجلسني، وَقَالَ: قد كَانَ رَأْيِي فِيك غير هَذَا، إِلَّا أَنِّي قد رَأَيْت تخليتك.
فَخرجت، فَإِذا على الْبَاب رَاحِلَة، وَرجل يصحبني، فركبت، وَدخلت الْبَصْرَة سالما، وَلَحِقت أَبَا الهيجاء بهَا، فَدَخَلْنَا مَعًا إِلَى بَغْدَاد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع