من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْكَاتِب دخل مصر أَجِيرا ثمَّ دَخلهَا أَمِيرا
قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن زكي: كنت مَعَ صَاحِبي عِيسَى النوشري، وَكَانَ مُضَافا لمُحَمد بن سُلَيْمَان الْكَاتِب على حَرْب الطولونية، إِلَى أَن افتتحت مصر، فتقلدها عِيسَى.
قَالَ: قَالَ عِيسَى: خرج يَوْمًا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان إِلَى ظَاهر الْفسْطَاط، فَانْتهى بِهِ السّير إِلَى قبَّة كَانَت لِأَحْمَد بن طولون، يُقَال لَهَا: قبَّة الْهَوَاء، مطلة على النّيل وعَلى الْبر، فَجَلَسَ فِيهَا وَمَعَهُ الْحُسَيْن بن حمدَان وَجَمَاعَة من القواد، ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر كُله يفعل مَا يَشَاء.
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن بن حمدَان: لَا شكّ أَن تجديدك الْحَمد لأمر.
قَالَ: نعم، وَهُوَ عَجِيب طريف ذكرته السَّاعَة، وَهُوَ أَنِّي نزعت إِلَى مصر وَأَنا فِي حَال رثَّة، فِي زِيّ صغَار الأتباع، فَضَاقَ عَليّ المعاش بهَا؟ فاتصلت بلؤلؤ الطولوني، فَأجرى عَليّ دينارين فِي كل شهر، وصيرني مشرفا فِي
إصطبله على كراعه، فَكنت هُنَاكَ من حَيْثُ لَا يعرف وَجْهي جيدا، وَلَا أقدم على الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أحضرني، فَقَالَ: وَيحك من أَيْن يعرفك الْأَمِير؟ يَعْنِي: أَحْمد بن طولون.
فَقلت: وَالله، مَا رَآنِي قطّ، وَلَا وَقعت عينه عَليّ إِلَّا فِي الطَّرِيق، وَلَا محلي مَحل من يتَصَدَّى للقائه.
فَقَالَ: دَعَاني السَّاعَة، وَهُوَ فِي قبَّة الْهَوَاء، فَقَالَ: مَعَك رجل أشقر أشهل، يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن سُلَيْمَان.
فَقلت: مَا أعرفهُ.
فَقَالَ: بل هُوَ فِي جنبتك، فَأَبْعَده عَنْك، فَإِنِّي رَأَيْته البارحة وَفِي يَده مكنسة يكنس دَاري بهَا، فتوق وَيحك، وَلَا تتعرف إِلَى أحد من حَاشِيَته، وأقرني على أَمْرِي، فامتثلت أمره.
وَمَضَت لهَذَا الحَدِيث شهور، ثمَّ دَعَاني ثَانِيَة، فَقَالَ: وَيحك، مَاذَا بليت بِهِ مِنْك، وبليت أَنْت بِهِ من هَذَا الْأَمِير؟ دَعَاني بعدة من أَصْحَاب الرسائل، فوافيته وَأَنا فِي غَايَة الوجل، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمرتك بِصَرْف مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَزْرَق الْأَشْقَر؟ فَقلت: قد عرفتك يَا سَيِّدي أَنِّي مَا استخدمت من هَذِه سَبيله، وَلَا وَقعت لي عَلَيْهِ عين.
فَقَالَ: كذبت، هُوَ مَعَك فِي إصطبلك، فَأخْرجهُ السَّاعَة عَن الْبَلَد، فَإِنِّي قد رَأَيْته البارحة فِي النّوم، وَفِي يَده مكنسة، وَهُوَ يكنس بِهِ سَائِر حجري وداري، ونسأل الله الْكِفَايَة.
فَقلت للؤلؤ: وَأي ذَنْب لَيْسَ يَا سَيِّدي فِي الأحلام؟ فَقَالَ لي: صدقت، فاستتر إِلَى أَن يتناسى الْأَمِير ذكرك، فَفعلت، وَكَانَ يجْرِي عَليّ ذَلِك الرزق، وَأَنا لَا أعمل شَيْئا.
فَلَمَّا تهَيَّأ من إِنْفَاذ لُؤْلُؤ إِلَى الشَّام مَا تهَيَّأ، نهضت مَعَه، وتخلف عَنهُ كِتَابه، لما كَانُوا علموه من تغير حَاله عِنْد صَاحبه، فأدناني، وقربني، وأجرى عَليّ فِي كل شهر عشرَة دَنَانِير، وحملني على دَابَّة وبغل، فلزمت خدمته، وكفيته، واستحمدت إِلَيْهِ، فزادني من رَأْيه، وَلم ينْتَه إِلَى الْعَريش، حَتَّى تنبه أَحْمد بن طولون على استيحاش لُؤْلُؤ، فَكتب إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى مصر، فشاورني، فأشرت عَلَيْهِ بالانحدار إِلَى نواحي ديار مُضر، وَأخذ مَا يستهدف لَهُ من المَال، وَلم أترك غَايَة إِلَّا أتيتها فِي تضريبه وتأليبه، حَتَّى أوردته مَدِينَة السَّلَام.
ثمَّ تقلبت بِي الْأَحْوَال فِي خدمَة السُّلْطَان، وخدمة الدول، وَتُوفِّي أَحْمد بن طولون، وَقتل أَبُو الْجَيْش، وجيش ابْنه، وَتَوَلَّى بعدهمْ هَارُون بن خمارويه،
فاختصصت أَنا بالقاسم بن عبيد الله، فقلدني ديوَان الْجَيْش، ثمَّ ندبني لمحاربة هَارُون، وَضم إِلَيّ القواد وَالرِّجَال، وَكَانَ فيهم لُؤْلُؤ صَاحِبي، وَكَانَ أَصْغَر الْجَمَاعَة حَالا، وأحقرهم شَأْنًا، خَالِيا من الرِّجَال والكراع، فَلم أقصر فِي إصْلَاح حَاله، وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ، وَمَعْرِفَة حَقه.
فَلم أدن من الشَّام حَتَّى تَلقانِي بدر الحمامي، وتلاه طغج بن جف مسرعا، وصرت إِلَى مصر، فَلَمَّا شارفتها وثب شَيبَان بن أَحْمد بن طولون وَمن تَابعه من جند مصر، فَقتلُوا هَارُون، وَتَوَلَّى شَيبَان الْأَمر بعده، وانثال إِلَيّ القواد فِي الْأمان وَلحق بهم شَيبَان، وتخلف الرجالة وَقطعَة من الفرسان، وأظهروا الْخلاف، فأوقعت بهم، وأفنيتهم قتلا وأسرا، وَدخلت فسطاط مصر عنْوَة، وحويت النعم والمهج، وأشخصت الطولونية عَن الْبَلَد إِلَى الحضرة، حَتَّى لم يبْق مِنْهُم أحد.
وَصَحَّ بذلك مَنَام أَحْمد بن طولون، فسبحان الَّذِي مَا شَاءَ فعل، وإياه نسْأَل خير مَا تجْرِي بِهِ أقداره، وَأَن يخْتم لنا بِخَير برحمته.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع