من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
شفَاه مَنَام رَآهُ أحد أَصْحَابه
حَدثنِي أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالببغاء، قَالَ: اعتللت بحلب عِلّة، جف مِنْهَا بدني كُله، فَكنت كالخشبة، لَا أقدر على أَن أتحرك أَو أحرك، وَنحل جسمي، وتقلبت بِي أعلال مُتَّصِلَة متضادة صعبة، فَمَكثت حَلِيف الْفراش ثَلَاث سِنِين، وآيسني الْأَطِبَّاء من الْبُرْء، وَقَطعُوا مداواتي.
وَكَانَ لي صديق شيخ يعرف بِأبي الْفرج بن دارم، من أهل بلدي، يَعْنِي: نَصِيبين، مُقيم بحلب، مواظب على عيادتي، وملازم لي، وَكَانَ لفرط اغتمامه بِي، وَأَن الْأَطِبَّاء قد آيسوه مني، يظْهر لي من الْجزع عَليّ أمرا يؤلم قلبِي، ويؤيسني من نَفسِي، ثمَّ تجَاوز ذَلِك إِلَى التَّصْرِيح باليأس، وتوطيني عَلَيْهِ، ثمَّ تعدى هَذَا إِلَى أَن صَار لَا يملك دمعته إِذا خاطبني.
فضعفت عَن تحمل هَذَا، وتضاعفت بِهِ علتي، وخارت مَعَه قوتي، فاعتقدت أَن أَقُول لغلامي أَن يترصده، فَإِذا جَاءَ الرجل إِلَيّ قَالَ لَهُ عني: إِنِّي لَا أستحسن حجابه، وَإِن علتي تضاعفت مِمَّا أشاهده، وأسمعه مِنْهُ، ويسأله أَن يَنْقَطِع عني، أَو يقطع مخاطبتي بِمَا فِيهِ إِيَاس لي، وقررت عزمي على هَذَا فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَلم أخاطب بِهِ غلامي.
فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة، باكرني ابْن دارم، فحين وَقعت عَيْني عَلَيْهِ، تثاقلت بِهِ خوفًا من أَن يسْلك معي مذْهبه، وهممت أَن أفْتَتح خطابه بِمَا كنت عزمت على مراسلته بِهِ، فَسَبَقَنِي بِأَن قَالَ لي: جئْتُك مبشرا.
فَقلت: بِمَاذَا؟ قَالَ: رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي، كَأَنِّي بالرقة، وَالنَّاس يهرعون إِلَى زِيَارَة قُبُور الشُّهَدَاء.
قَالَ أَبُو الْفرج: وهم جمَاعَة مِمَّن قتل بصفين مَعَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، مِنْهُم عمار بن يَاسر، حملُوا إِلَى ظَاهر الرقة، فدفنوا بهَا، وَالْحَال فِي ذَلِك مَشْهُور، والقبور إِلَى الْآن مغشية معمورة.
قَالَ لي ابْن دارم: وَرَأَيْت كَأَن أَكثر النَّاس مطيفون بقبة، فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل لي: هِيَ على قبر عمار بن يَاسر ﵁، فقصدتها، وطفت بهَا،
فَإِذا الْقَبْر مَكْشُوف، وَفِيه رجل شيخ، بِثِيَاب بيض، وَفِي رَأسه ضربات بَيِّنَة دامية، وعَلى لحيته دم، وَالنَّاس يسألونه فَيُجِيبهُمْ، فلحقتني حيرة، وَلم أدر عَمَّا أسأله.
فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، لَعَلَّك عَارِف بِأبي الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر المَخْزُومِي الْمَعْرُوف بالببغاء.
فَقَالَ: نعم، أَنا عَارِف بِهِ.
فَقلت: أيعيش أم لَا؟ فَقَالَ: نعم، يعِيش، وَيبرأ، وَلَكِن أَنْت لَك ابْن فاحذر عَلَيْهِ من عِلّة تلْحقهُ قَرِيبا، واستيقظت.
وَأخذ يهنيني بالعافية، وَيَقُول: سرني مَا جرى، وَلَكِن قد أوحشني فِي أَمر ابْني، وأسأل الله تَعَالَى الْكِفَايَة.
قَالَ أَبُو الْفرج: وَكَانَ للرجل ابْن، لَهُ نَحْو الثَّلَاثِينَ سنة، وَهُوَ فِي الْحَال معافى، فَلَمَّا مَضَت خَمْسَة أَيَّام من الرُّؤْيَا حم الْفَتى، وتزايدت علته، فَمَاتَ فِي الْيَوْم الرَّابِع عشر من يَوْم حم، فَقَوِيت نَفسِي فِي صِحَة الْمَنَام، وَمَا مضى على موت الْفَتى إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أدبر مرضِي، وَلم تزل الْعَافِيَة تقوى إِلَى أَن عوفيت، وعادت صحتي كَمَا كَانَت بعد مُدَّة يسيرَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع