من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مجْلِس غناء بِمحضر الرشيد
وروى حَمَّاد، عَن أبي صَدَقَة، وَكَانَ يحضر مجْلِس الرشيد مَعَ المغنين، فَرُبمَا غنى، وَرُبمَا لم يغن، قَالَ: فَدَعَانَا الرشيد يَوْمًا، فَدَخَلْنَا، والستارة دونه، وَهُوَ من خلفهَا جَالس، فَقَالَ خَادِم من خلفهَا: عَن يَا ابْن جَامع، فَانْدفع يُغني بِهَذَا الصَّوْت:
قف بالمنازل سَاعَة فَتَأملهَل بالديار لزائر من منزل
أَولا فَفِيمَ توقفي وتلدديوسط الديار كأنني لم أَعقل
مَا بالديار من البلى وَلَقَد أرىأَن سَوف يحملني الْهوى فِي محمل
وأحق من يبكي بِكُل محلّةعرضت لَهُ فِي منزل للمعول
عان بِكُل حمامة سجعت لَهُوغمامة برقتْ بِنَوْء الأعزل
يبكي فتفضحه الدُّمُوع فعينهمَا عَاشَ مخضلة كفيض الْجَدْوَل
فَقَالَ الْخَادِم: ليغن هَذَا الصَّوْت مِنْكُم من كَانَ يُحسنهُ، فغنى كل من أحْسنه مِنْهُم، فَكَأَنَّهُ لم يطرب لَهُ.
فَأقبل الْخَادِم عَليّ، فَقَالَ: إِن كنت تحسن أَن تغنيه، فغنه.
فَقلت: نعم, فعجبوا من إقدامي على صَوت لم يستطب من جَمَاعَتهمْ، فغنيته.
فَقَالَ الْخَادِم: أَحْسَنت، وَالله، فأعده، فأعدته، وَأعَاد الِاسْتِحْسَان، وَالْأَمر بإعادته على ذَلِك سبع مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لي الْخَادِم: قُم يَا أَبَا صَدَقَة، فَادْخُلْ، حَتَّى تغني أَمِير الْمُؤمنِينَ بِحَيْثُ يراك، فَدخلت، والمغنون كلهم محجوبون، فغنيته إِيَّاه، ثَلَاث مَرَّات، فطرب فِي جَمِيعهنَّ.
وَقَالَ: أَحْسَنت يَا أَبَا صَدَقَة.
فَلَمَّا سَمِعت مَا خصني بِهِ من استحسانه، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لهَذَا الصَّوْت حَدِيثا عجيبا، أَفلا أحَدثك بِهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَعَلَّه يزْدَاد حسنا.
فَقَالَ: بلَى، هَات.
فَقلت: كنت يَا سَيِّدي، عبدا لبَعض آل الزبير، وَكنت خياطا مجيدا، أخيط الْقَمِيص بِدِرْهَمَيْنِ، والسراويل بدرهم، وأؤدي ضريبتي إِلَى سَيِّدي فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ، وآخذ مَا فضل عَن ذَلِك، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم منصرفا، وَقد خطت قَمِيصًا لبَعض الطالبيين، وَقد أخذت مِنْهُ دِرْهَمَيْنِ، وانصرفت إِلَى مَوضِع يجْتَمع فِيهِ المغنون، كنت أقصده إِذا فرغت من شغلي، لشغفي بِالْغنَاءِ، فَلَمَّا صرت بحذاء بركَة الْمهْدي، إِذا أَنا بسوداء على رقبَتهَا جرة، تُرِيدُ أَن تملأها من مَاء العقيق، وَهِي تغني بِهَذَا الصَّوْت، أحسن غناء يكون، فَأَصَابَنِي من الطَّرب بغنائها مَا أذهلني عَن كل شَيْء.
فَقلت لَهَا: فدَاك أبي وَأمي، ألقِي عَليّ هَذَا الصَّوْت.
فَقَالَت: استحسنته؟ فَقلت: إِي وَالله.
فَقَالَت: وَحقّ الْقَبْر وَمن فِيهِ، لَا أعدته إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَدفعت الدرهمين إِلَيْهَا، فأحدرت جرتها عَن رقبَتهَا فارغة، فَوَضَعتهَا
على الأَرْض، وَجَلَست عَلَيْهَا، وَكَأَنِّي أنظر إِلَى فقحتها وَقد برزت عَن الجرة نَحْو ذِرَاع، وَأَقْبَلت تلقيه عَليّ، وتوقع على الجرة، حَتَّى أَخَذته، ثمَّ أخذت الجرة على رقبَتهَا، وانصرفت.
فحين انصرفت، أنسيت الصَّوْت ولحنه، حَتَّى كَأَنِّي لم أسمعهُ قطّ، فَبَقيت متحيرا لَا أَدْرِي مَا أصنع، وانصرفت إِلَى سَيِّدي بأسوء حَال، وأكسف بَال.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فلجلجت فِي كَلَامي، وَقلت: يَا سَيِّدي، اسْمَع حَدِيثي.
فَقَالَ: يَا ابْن اللخناء، أبي تتعرض؟ فبطحني، وضربني مائَة مقرعة، وَحلق رَأْسِي ولحيتي، وَمَنَعَنِي قوتي، وَكَانَ أَرْبَعَة أرغفة، فَلم يكن شَيْء من ذَلِك، أَشد عَليّ، من ذهَاب الصَّوْت مني، وَبت لَيْلَتي أسوء خلق الله حَالا، وَأَنا لَا أعرف الْجَارِيَة، وَلَا موضعهَا وَلَا لمن هِيَ.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، خرجت وَلها أطلبها فِي الْموضع الَّذِي لقيتها فِيهِ، وأسأل الله أَن يحوج أَهلهَا إِلَى المَاء، حَتَّى تخرج لتأتيهم بِهِ، فأراها، فَلم أزل أطلبها، لَا أعمل شَيْئا إِلَى الْعَصْر.
فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بهَا قد أَقبلت، فَلَمَّا رأتني، وَمَا بِي من الوله، قَالَت لي: مَالك، أنسيت الصَّوْت؟ فَقلت: إِي وَالله، وَضربت مائَة مقرعة، ومنعت قوتي لَيْلَتي، وحلقت رَأْسِي ولحيتي.
فَقلت: دع هَذَا عَنْك، فَوَرَبِّ الْكَعْبَة، لاسمعته مني، فضلا عَن أَخذه إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَقلت: الله، الله، فِي فيمرن عَليّ اللَّيْلَة مثل مَا مر عَليّ البارحة، فارحميني.
فَقَالَت: قد سَمِعت الْيَمين، وَذَهَبت لتمضي.
فَقلت: اصْبِرِي، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ يعاملني، فرهنت عِنْده الجلمين، على دِرْهَمَيْنِ، وَجئْت بهما إِلَيْهَا، فأخذتهما، وجعلتهما فِي فِيهَا.
فَلَمَّا بدأت بالصوت، ذكرته، فَقلت: الله، الله، ردي عَليّ الدرهمين، فَلَا حَاجَة بِي إِلَى غنائك.
فَقَالَت: أَنْت أَحمَق، وَلست تعرف هَذَا الْأَمر، لَئِن لم أردده عَلَيْك مائَة مرّة مَا حصل لَك مِنْهُ شَيْء، وَجَلَست على الجرة، فغنته مائَة مرّة، أعدهَا عَلَيْهَا حَتَّى فهمته، وصرت بِهِ أمهر مِنْهَا، وانصرفت.
فساعة فارقتها، لحقتني الندامة، وَقلت: سيلحقني اللَّيْلَة أَكثر مِمَّا لَحِقَنِي البارحة، لفقد الجلمين.
فَرَجَعت إِلَى مولَايَ، فحين رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فَقلت لَهُ: اسْمَع مني.
قَالَ: أَي شَيْء أسمع، يَا ابْن الْفَاجِرَة، أما كَفاك مَا مر بك أمس، ووثب إِلَى السَّوْط.
فَقلت لَهُ: اسْمَع، واصنع مَا شِئْت.
فَقَالَ: هَات، فغنيته الصَّوْت.
فَقَالَ: أَحْسَنت، وَالله، يعز عَليّ مَا أَصَابَك، أما الضَّرْب فقد مضى، وَلَا حِيلَة فِيهِ، وَأما قوتك فمردود، وَأما ضريبتك، فساقطة عَنْك مَا عِشْنَا وَلَو مت أَنا وعيالي جوعا، فَأَنت الْيَوْم وَاحِدًا منا أبدا مَا بَقينَا، فَهَذَا خبر الصَّوْت.
وَكَانَ المغنون الَّذين حَضَرُوا، إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَابْنه إِسْحَاق، وَابْن جَامع, وَمُسلم بن سَلام.
فَأمر لكل وَاحِد مِنْهُم بِأَلف دِينَار، وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِينَار، مثل مَا أَمر لجماعتهم، ثمَّ استدعى ألف دِينَار، فَقَالَ: خُذ هَذِه بدل الْمِائَة مقرعة الَّتِي ضربت.
فَانْصَرَفت، والمغنون يتعجبون مِمَّا جرى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع