تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أضاع هِمْيَانه فِي طَرِيق الْحَج ووجده أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ

حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي: قَالَ حَدثنِي أبي: أَن رجلا حج، وَفِي وَسطه هميان فِيهِ دَنَانِير وجواهر، قيمَة الْجَمِيع ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وَكَانَ الْهِمْيَان ديباج أسود.

فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق، جلس يَبُول، فانحل الْهِمْيَان من وَسطه وَسقط، وَلم يعلم بذلك إِلَّا بعد أَن سَار من الْموضع فراسخ.

وَاتفقَ أَن رجلا جَاءَ على أَثَره، فَجَلَسَ يَبُول مَكَانَهُ، فَرَأى الْهِمْيَان، فَأَخذه، وَكَانَ لَهُ دين، فحفظه.

قَالَ الرجل: فَلم يُؤثر فِي قلبِي ذَهَابه، لِكَثْرَة مَالِي، فاحتسبته عِنْد الله تَعَالَى، وتغافلت.

وَكَانَ معي تِجَارَة بأموال عَظِيمَة، فَقضيت حجي، وعدت إِلَى بلدي.

فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين، افْتَقَرت لمحن توالت عَليّ، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء،

فهربت على وَجْهي من بلدي، وَقد أفضيت إِلَى الصَّدَقَة عَليّ، وزوجتي معي، فأويت إِلَى بعض الْقرى، فَنزلت فِي خَان خراب.

فَأصَاب زَوْجَتي الطلق، وَمَا أملك غير دانق وَنصف فضَّة، وَكَانَت لَيْلَة مطيرة، فَولدت.

فَقَالَت: يَا هَذَا، السَّاعَة أَمُوت، فَأخْرج، وَخذ لي شَيْئا أتقوى بِهِ.

فَخرجت أتخبط فِي الظلمَة والمطر، حَتَّى جِئْت إِلَى بقال فوقفت عَلَيْهِ، فكلمني بعد كل جهد، فشرحت لَهُ حَالي، فرحمني، وَأَعْطَانِي بِتِلْكَ الْقطعَة حلبة، وزيتا، أغلاهما عِنْده، وأعارني غضارة جعلته فِيهَا، فمشيت أُرِيد موضعي، فزلقت, فَانْكَسَرت الغضارة، وَذهب مَا فِيهَا.

فورد عَليّ أَمر عَظِيم، مَا ورد عَليّ مثله قطّ، وَأَقْبَلت ألطم، وأبكي، وأصيح، فَإِذا بِرَجُل قد أخرج رَأسه من شباك فِي دَار، وَقَالَ: وَيلك، مَالك تبْكي، مَا تدعنا ننام، فشرحت لَهُ قصتي.

فَقَالَ: هَذَا الْبكاء كُله بِسَبَب دانق وَنصف؟ فتداخلني من الْغم أَكثر من الأول، فَقلت: يَا هَذَا، وَالله، مَا لما ذهب عِنْدِي مَحل، وَلَكِن بُكَائِي رَحْمَة لنَفْسي مِمَّا دفعت إِلَيْهِ، وَإِن زَوْجَتي وَوَلَدي السَّاعَة يموتان جوعا، وَوَاللَّه، وَإِلَّا فعلي وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لقد حججْت فِي سنة كَذَا، وَأَنا أملك من المَال، مَا ذهب مني هميان فِيهِ دَنَانِير وجواهر بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار، مَا فَكرت فِيهِ، وَهُوَ ذَا تراني الْآن أبْكِي بِسَبَب دانق وَنصف فضَّة، فاسأل الله الْعَافِيَة والسلامة، وَلَا تعيرني فتبتلى بِمثل بلواي.

فَقَالَ لي: بِاللَّه عَلَيْك، مَا كَانَ صفة هميانك؟ فلطمت رَأْسِي، وَقلت: مَا يقنعك مَا خاطبتني بِهِ وَمَا ترَاهُ من صُورَتي، وقيامي فِي الطين والمطر، حَتَّى تتلهى بِي، وَأي شَيْء يَنْفَعنِي وينفعك من صفة همياني، وَقد ضَاعَ من كَذَا وَكَذَا سنة، ومشيت.

وَإِذا هُوَ قد خرج يَصِيح بِي: تَعَالَى خُذ هَذَا، فقدرته يتَصَدَّق عَليّ، فَجِئْته.

فَقَالَ: أيش صفة هميانك؟ وَقبض على يَدي، فَلم أقدر أتخلص مِنْهُ، فوصفت لَهُ همياني.

فَقَالَ لي: ادخل، فَدخلت منزله.

فَقَالَ: أَيْن زَوجتك؟ فَقلت: فِي الخان الْفُلَانِيّ.

فأنفذ غلمانه، فَأتوا بهَا، فَأدْخلهَا إِلَى حرمه، فأصلحوا أمرهَا، وأطعموها مَا احْتَاجَت إِلَيْهِ، وكساني كسْوَة حَسَنَة، وأدخلني الْحمام، وأصبحت عِنْده فِي عيشة طيبَة.

فَقَالَ لي: أقِم عِنْدِي أَيَّامًا لأضيفك، فأقمت عِنْده عشرَة أَيَّام، فَكَانَ يعطيني فِي كل يَوْم عشْرين دِينَارا، وَأَنا متحير من عَظِيم بره، بعد شدَّة جفائه.

فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالَ لي: أَي شَيْء تتصرف فِيهِ؟ فَقلت: كنت تَاجِرًا.

فَقَالَ: أقِم عِنْدِي، وَأَنا أَعطيتك رَأس مَال فتتجر فِي شركتي.

فَقلت: أفعل.

فَدفع إِلَيّ مِائَتي دِينَار، وَقَالَ لي: أتجر بهَا هَاهُنَا.

فَقلت: هَذَا معاش، قد أغناني الله تَعَالَى بِهِ، يجب أَن ألزمهُ، فَلَزِمته.

فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، ربحنا، فَجِئْته، فَقلت لَهُ: خُذ ربحك.

فَقَالَ لي: اجْلِسْ, فَجَلَست.

فَأخْرج إِلَى همياني، وَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ فحين رَأَيْته، شهقت شهقة غشي عَليّ مِنْهَا.

ثمَّ أَفَقْت بعد سَاعَة، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، أملك أَنْت أم نَبِي؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي ممتحن بِحِفْظ هميانك مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، فَلَمَّا سَمِعتك تِلْكَ اللَّيْلَة تَقول مَا قلته، وأعطيتني علامته، أردْت أَن أُعْطِيك هُوَ،

فَخَشِيت أَن تَنْشَق مرارتك من الْفَرح، فأعطيتك تِلْكَ الدَّنَانِير الَّتِي أوهمتك أَنَّهَا هبة لَك، وَإِنَّمَا أَعطيتك ذَلِك كُله من هميانك، وَالدَّنَانِير المائتان، قرض، فَخذ هميانك واجعلني فِي حل.

فَأَخَذته، ودعوت لَهُ، ورددت عَلَيْهِ الْقَرْض، وَرجعت إِلَى بلدي، وبعت الْجَوْهَر وأضفت ثمنه إِلَى الدَّنَانِير، واتجرت بهَا، فَمَا مَضَت إِلَّا سنيات، حَتَّى صرت صَاحب عشرَة آلَاف دِينَار، وصلحت حَالي، فَأَنا فِي فضل الله تَعَالَى، أعيش إِلَى الْآن.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.