تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

تقلد الْإِنْفَاق على عسكرين فَأفَاد فِي أقل من شهر سبع مائَة ألف دِرْهَم

ذكر ابْن عَبدُوس فِي كِتَابه، كتاب الوزراء: حدث أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد، قَالَ: قَالَ لي الريان بن الصَّلْت: كنت فِي خدمَة الْفضل بن سهل، فِيمَا كنت فِيهِ، من ثقته واستنامته، على مَا كنت عَلَيْهِ.

فدعاني فِي وَقت من الْأَوْقَات، إِلَى أَن يضم إِلَيّ أَرْبَعَة آلَاف من الشاكرية والجند، ويقودني عَلَيْهِم، ويجريني مجْرى قواده، فامتنعت عَلَيْهِ من ذَلِك، وأعلمته أَنِّي لَا أقوم بذلك، وَلَا أصلح لَهُ، وَلَا آمن أَن أتقلد مِنْهُ مَا يَقع فِيهِ التَّقْصِير، فَيسْقط حظي عِنْده، ومنزلتي لَدَيْهِ.

فَأنْكر ذَلِك عَليّ أَشد الْإِنْكَار، وعاودني فِيهِ مرَارًا، فَلم أجبه إِلَيْهِ، فَلَمَّا رأى إقامتي على الِامْتِنَاع، جفاني، وَأعْرض عني، وامتدت الْأَيَّام على هَذَا، حَتَّى أداني ذَلِك إِلَى الاختلال الشَّديد الَّذِي أضرّ بِي.

فَدخل إِلَيّ غلامي يَوْمًا، فَأَعْلمنِي أَنه لَا نَفَقَة عِنْده، وَلَا مُضْطَرب لَهُ فِي احتيالها، لِامْتِنَاع التُّجَّار عَن إِعْطَائِهِ، لتأخر مَالهم علينا عَنْهُم، وَأَنه لَا علف لدوابنا، وَلَا قوت لنا.

فأومأت إِلَى عِمَامَة ملحم كَانَت بحضرتي، وأمرته بِبَيْعِهَا، وَصرف ثمنهَا فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَبَاعَهَا بِثمَانِيَة دَرَاهِم.

وَورد عَليّ فِي ذَلِك الْيَوْم كتاب وَكيلِي على أَهلِي، بِمَدِينَة السَّلَام، يعلمني ضيق الْأَمر عَلَيْهِ فِيمَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَته للعيال، وَإنَّهُ التمس من التُّجَّار مِقْدَار ألفي دِرْهَم، فَلم يُجِيبُوهُ إِلَيْهَا، فَعظم عَليّ مَا ورد من ذَلِك، وَضَاقَتْ بِي الْمذَاهب.

فَبَيْنَمَا أَنا قَاعد فِي عَشِيَّة يومي ذَلِك، إِذْ أَتَانِي الْفضل يَأْمُرنِي بِحُضُور الدَّار، وَالْمقَام فِيهَا، إِلَى عِنْد خُرُوجه من دَار الْمَأْمُون، فحضرتها بعد صَلَاة الْعَتَمَة، فأقمت، إِلَى أَن خرج الْفضل فِي وَقت السحر، فَلَقِيته، وَبَين يَدَيْهِ خرائط كَثِيرَة مَحْمُولَة.

فَقَالَ: صليت صَلَاة اللَّيْل؟ قلت: نعم.

فَقَالَ: لكني مَا صليت، فَكُن هَاهُنَا إِلَى أَن أُصَلِّي، فصلى، ثمَّ انْفَتَلَ من صلَاته، فدعاني.

فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا هَذِه الخرائط؟ قلت: لَا.

قَالَ: هَذِه ثَمَانِي وَسِتُّونَ خريطة وَردت، وقرأتها، وأجبت عَنْهَا بخطي فدعوت الله لَهُ بِحسن المعونة والتوفيق.

ثمَّ قَالَ لي: يَا رَيَّان، إِن أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن سهل قد دفع إِلَى وَاسِط،

وَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يمده بِدِينَار بن عبد الله ونعيم بن خازم فِي عشرَة آلَاف رجل، وَأَن يقلدك الْإِنْفَاق عَلَيْهِم فِي عسكريهما، وَأَن يجرى لَك فِي كل شهر عشرَة آلَاف دِرْهَم، ولكاتبك ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، ولقراطيسك ألف دِرْهَم، وَأَن يوظف لَك على كل عَسْكَر عشرَة أجمال لحملك، أَو مائَة دِينَار عوضا

عَنْهَا، ثمَّ أَمر لي فِي ذَلِك الْوَقْت، أَن تحمل إِلَيّ أرزاق ثَلَاثَة أشهر، فَمَا صليت الصُّبْح حَتَّى حمل إِلَيّ اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم، وَأخذ فِي تجهيز العسكرين.

قَالَ: وَبعث إِلَيّ الْفضل بفرس من دوابه وَأَمرَنِي أَن أبْعث بِهِ إِلَى نعيم بن خازم، وأعلمه أَنه خصّه بِهِ، وَأَنه من خيله الَّتِي يركبهَا، فوجهت بِهِ إِلَى نعيم بن خازم، فأظهر السرُور والابتهاج بذلك، والتعظيم لَهُ، ووهب لغلامي عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَبعث إِلَيّ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.

فَكتبت بذلك إِلَى الْفضل، فَكتب على رقعتي: أردد على نعيم مَا بعث بِهِ إِلَيْك، وَمَا وهب لغلامك، واقبض لنَفسك عوضا مِنْهُ، مائَة وَعشْرين ألف دِرْهَم.

ثمَّ أَمر بعد أَيَّام لدينار، بِسبع مائَة ألف دِرْهَم صلَة ومعونة، ولنعيم بن خازم بِخمْس مائَة ألف دِرْهَم، فَبعثت بهَا إِلَيْهِمَا، فَبعث إِلَيّ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.

فَكتبت إِلَى الْفضل رقْعَة، فأعلمته فِيهَا بِمَا فعلاه، فَوَقع على ظهرهَا: اقبل من دِينَار مَا بعث بِهِ إِلَيْك، واردد إِلَى نعيم مَا بعث بِهِ، واقبض لنَفسك عوضا من ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم.

قَالَ: وسرنا عَن مرو، فَلَمَّا صرنا فِي الطَّرِيق، ورد عَليّ كتاب الْفضل، يَأْمُرنِي فِيهِ، أَن أحمل إِلَى دِينَار ألف ألف دِرْهَم وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم، وَإِلَى نعيم ألف ألف دِرْهَم، فَفعلت، فَحمل إِلَيّ دِينَار مائَة ألف دِرْهَم، وَخمسين ألف دِرْهَم، وَبعث إِلَيّ نعيم مائَة ألف دِرْهَم، فَقبلت من دِينَار مَا بعث بِهِ، ورددت على نعيم مَا بعث بِهِ، حَسْبَمَا حد لي فِي رقعتي الأولى وَالثَّانيَِة، وَلم أكتب بالْخبر فِي ذَلِك إِلَى الْفضل، لِئَلَّا يتَوَهَّم عَليّ استدعاء الْعِوَض، وَكتب لَهُ بذلك صَاحب خبر، كَانَ لَهُ فِي السِّرّ علينا، فَوَقع على ظهر كِتَابه إِلَيّ،

قد علمت أَنَّك أَمْسَكت عَن الْكِتَابَة إِلَيّ بِمَا فعله نعيم ودينار، وَمَا كَانَ من ردك على نعيم مَا بعث بِهِ، لِئَلَّا أتوهم عَلَيْك الاستدعاء للصلة، وَقد رَأَيْت أَن تقبض لنَفسك عوضا عَن ذَلِك مِائَتي ألف دِرْهَم.

قَالَ الريان: فَلم تمض سَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، حَتَّى حصل عِنْدِي سبع مائَة ألف دِرْهَم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.