تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْمَأْمُون بخراسان يَنْقَلِب حَاله من أَشد الضّيق إِلَى أفسح الْفرج

وَذكر فِي كِتَابه عَن جِبْرِيل بن بختيشوع، فِي خبر طَوِيل أَنه سمع الْمَأْمُون يَقُول: كَانَ لي بخراسان يَوْم عَجِيب، فَأولى الله فِيهِ بإحسانه جميلا، لما توجه طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، كَمَا قد عرفتموه من ضعف طَاهِر وَقُوَّة عَليّ، وقر فِي نفوس عسكري جَمِيعًا، أَن طَاهِرا ذَاهِب وَلحق أَصْحَابِي إضاقة شَدِيدَة، وَظَهَرت فيهم خلة عَظِيمَة، ونفد مَا كَانَ معي، فَلم يبْق مِنْهُ لَا قَلِيل وَلَا كثير وأفضيت إِلَى حَال كَانَ أصلح مَا فِيهَا الْهَرَب، فَلم أدر إِلَى أَيْن أهرب، وَلَا كَيفَ آخذ، وَبقيت حائرا متفكرا.

فَأَنا وَالله كَذَلِك وَكنت نازلا فِي دَار أَبْوَابهَا حَدِيد، ولي مستشرفات أَجْلِس فِيهَا إِذا شِئْت، وَعدد غلماني سِتَّة عشر غُلَاما، لَا أملك غَيرهم، وَإِذا بالقواد والجيش جَمِيعًا قد شغبوا، وطلبوا أَرْزَاقهم، ووافوا جَمِيعًا يشتموني، ويتكلمون بِكُل قَبِيح.

فَكَانَ الْفضل بن سهل بَين يَدي، فَأمر بإغلاق الْأَبْوَاب، وَقَالَ لي: قُم فاصعد إِلَى الْمجْلس الَّذِي يستشرف فِيهِ، إشفاقا عَليّ من دُخُولهمْ، وَسُرْعَة أَخذهم إيَّايَ، وتعليلا لي بالصعود.

فَقلت: الْقَوْم يدْخلُونَ السَّاعَة، فيأخذوني، فَلِأَن أكون بموضعي، أصلح.

فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي اصْعَدْ، فوَاللَّه، مَا تنزل إِلَّا خَليفَة.

فَجعلت أهزأ بِهِ، وأعجب مِنْهُ، وأحسب أَنه إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ، ليسمعني.

وأركنت للهرب من بعض أَبْوَاب الدَّار، فَلم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل، لإحاطة الْقَوْم بِالدَّار والأبواب كلهَا.

فالح عَليّ أَن أصعد، فَصَعدت وَأَنا وَجل، فَجَلَست فِي المستشرف، وَأَنا أرى الْعَسْكَر.

فَلَمَّا علمُوا بصعودي اشْتَدَّ كلبهم، وشتمهم، وضجيجهم، وبادروني بالوعيد والشتم، فأغلظت على الْفضل بن سهل وَقلت لَهُ: أَنْت جَاهِل، غررتني، وَلم تدعني أعمل برأيي، وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا مِمَّن قبل مِنْك، وَهُوَ فِي هَذَا كُله، يحلف أنني لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، وغيظي عَلَيْهِ، وتعجبي من حمقه، ومواصلة الْأَيْمَان أنني لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، مَعَ مَا أشاهده، وَالْحَال يزِيد، أَشد عَليّ مِمَّا أقاسيه من الْجند.

ثمَّ وضع الْقَوْم النَّار فِي شوك جَمَعُوهُ، وأدنوه من الدَّار، ونقبوا فِي سورها عدَّة نقوب، وثلموا مِنْهُ قِطْعَة، فَذَهَبت نَفسِي خوفًا وجزعا، وَعلمت أَنِّي بَين أَن أحترق، وَبَين أَن يصلوا إِلَيّ فيقتلوني، فهممت بِأَن ألقِي نَفسِي إِلَيْهِم، وقدرت أَنهم إِذا رأوني اسْتَحْيوا مني، وأقصروا.

وَجعل الْفضل بن سهل يقبل يَدي ورجلي، ويناشدني أَن لَا أفعل، وَيحلف لي أَنِّي لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، وَفِي يَده الإسطرلاب، ينظر فِيهِ فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت.

فَلَمَّا اشْتَدَّ عَليّ الْأَمر، واستحكم الْيَأْس، قَالَ لي: يَا سَيِّدي، قد وَالله أَتَاك الْفرج، أرى شَيْئا فِي الصَّحرَاء قد أقبل، وَمَعَهُ فرجنا، فازددت من قَوْله غيظا، وَأمرت غلماني بتأمل الصَّحرَاء، فَلم أر، وَلم يرَوا شَيْئا.

وجد الْقَوْم فِي الْهدم والحريق، حَتَّى هَمَمْت لما داخلني أَن أرمي بِالْفَضْلِ إِلَيْهِم.

فَقَالَ الغلمان: إِنَّا نرى فِي الصَّحرَاء شَيْئا يلوح، فَنَظَرت فَإِذا شبح، وَجعل يزِيد تبيانا، إِلَى أَن تبينوا رجلا على بغلة، ثمَّ قرب، فَإِذا هُوَ يلوح، وَقرب من الْعَسْكَر، وقويت لَهُ قُلُوبنَا، وَرَأى الْجند ذَلِك فتوقفوا، وخالطهم، فَإِذا هُوَ يَقُول: الْبُشْرَى، هَذَا رَأس عَليّ بن عِيسَى بن ماهان معي فِي المخلاة، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أَمْسكُوا عَنَّا، وانقلبوا بِالدُّعَاءِ، وَالسُّرُور بالظفر وَالْفَتْح.

فَقَالَ لي الْفضل بن سهل: يَا سَيِّدي، إئذن لي فِي إِدْخَال بَعضهم، فَأَذنت لَهُ، فَشرط عَلَيْهِم أَن لَا يدْخل إِلَّا من يُرِيد، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك، وسمى قوما من الْقَوْم، فأدخلهم.

فَكَانَ أول من دخل عَليّ، عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، فَقبل يَدي، وَسلم عَليّ بالخلافة، ثمَّ أَدخل القواد بعده، وَاحِدًا، وَاحِدًا، فَفَعَلُوا مثل ذَلِك، فأطفأ الله ﷿ النائرة، ووهب السَّلامَة، وقلدني الْخلَافَة، فظفرت

من أَمْوَال عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، وَمَا فِي عسكره، بِمَا أَصْلحنَا بِهِ أُمُور جندنا.

ثمَّ ذكر تَمام الحَدِيث.

وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر، أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة، قَالَ: قَالَ الْفضل بن مَرْوَان: كنت مَعَ الْمَأْمُون، وَقد خرج إِلَى نواحي الإسحاقي ليتصيد فِي جمَاعَة من عسكره قَليلَة، فَذكر هَذَا الْخَبَر بِطُولِهِ، وصدره وعجزه على مَا فِي كتاب ابْن عَبدُوس، مِمَّا لم أذكرهُ، فَذكر فِيهِ هَذِه الْقطعَة من الْخَبَر، على قريب مِمَّا هِيَ مَذْكُورَة هَاهُنَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.