تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مُحَمَّد بن زيد الْعلوِي يضْرب مثلا عَالِيا فِي النبل

حَدثنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني الْكَاتِب، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن زيد الْعلوِي، الدَّاعِي بطبرستان، إِذا افْتتح الْخراج، نظر مَا فِي بَيت المَال من خراج السّنة الَّتِي قبلهَا، فَفرق فِي قبائل قُرَيْش قسطا، على دعوتهم، وَفِي الْأَنْصَار، وَفِي الْفُقَهَاء، وَأهل الْقرَاءَات، وَسَائِر طَبَقَات النَّاس، حَتَّى يفرق جَمِيع مَا بَقِي.

فَجَلَسَ سنة من السنين، يفرق المَال، على مَا كَانَ يفعل، فَلَمَّا فرغ من بني هَاشم، دَعَا بِسَائِر بني عبد منَاف، فَقَامَ رجل، فَقَالَ لَهُ: من أَي بني عبد منَاف أَنْت؟ فَسكت.

قَالَ: لَعَلَّك من ولد مُعَاوِيَة؟ قَالَ: نعم.

قَالَ: فَمن أَي وَلَده أَنْت؟ فَسكت.

قَالَ: لَعَلَّك من ولد يزِيد؟ قَالَ: نعم.

قَالَ: بئس الِاخْتِيَار اخْتَرْت لنَفسك، من قصدك بَلَدا ولَايَته لآل أبي طَالب، وعندك ثأرهم فِي سيدهم وَإِخْوَته وَبني عَمه، وَقد كَانَت لَك مندوحة عَنْهُم بِالشَّام وَالْعراق، عِنْد من يتَوَلَّى جدك، وَيُحب رفدك، فَإِن كنت جِئْت عَن جهل بِهَذَا مِنْك فَمَا يكون بعد جهلك شَيْء، وَإِن كنت جِئْت متمريا بهم، فقد خاطرت بِنَفْسِك.

فَنظر إِلَيْهِ العلويون نظرا شَدِيدا، فصاح بهم مُحَمَّد، وَقَالَ: كفوا عافاكم الله، كأنكم تظنون أَن فِي قتل هَذَا دركا أَو ثأرا بالحسين بن عَليّ ﵄، وَأي جرم لهَذَا؟ إِن الله ﷿ قد حرم أَن تطالب نفس بِغَيْر مَا اكْتسبت، وَالله، لَا يعرض لَهُ أحد إِلَّا أقدته بِهِ، واسمعوا حَدِيثا أحدثكُم بِهِ، يكون قدوة لكم فِيمَا تستأنفون من أُمُوركُم.

حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، قَالَ: عرض على الْمَنْصُور، سنة حج، جَوْهَر فاخر، فَعرفهُ، وَقَالَ: هَذَا كَانَ لهشام بن عبد الْملك، وَهَذَا بِعَيْنِه، قد بَلغنِي خَبره، عِنْد ابْنه مُحَمَّد، وَمَا بَقِي مِنْهُم أحد غَيره.

ثمَّ قَالَ الرّبيع: إِذا كَانَ غَدا، وَصليت بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَحصل النَّاس فِيهِ، فأغلق الْأَبْوَاب كلهَا، ووكل بهَا ثقاتك من الشِّيعَة، واقفلها وَافْتَحْ للنَّاس بَابا وَاحِدًا، وقف عَلَيْهِ، فَلَا يخرج إِلَّا من عَرفته.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، فعل الرّبيع مَا أمره بِهِ، وَتبين مُحَمَّد بن هِشَام الْقِصَّة، فَعلم أَنه هُوَ الْمَطْلُوب، وَأَنه مَأْخُوذ، فتحير.

وَأَقْبل مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵈ على أثر ذَلِك، فَرَآهُ متحيرا، وَهُوَ لَا يعرفهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَرَاك متحيرا فَمن أَنْت؟ وَلَك أَمَان الله التَّام الْعَام، وَأَنت فِي ذِمَّتِي حَتَّى أخلصك.

فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْملك، فَمن أَنْت؟ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب.

فَقَالَ مُحَمَّد بن هِشَام: عِنْد الله احتسب نَفسِي.

قَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، فَإنَّك لست قَاتل زيد، وَلَا فِي قَتلك إِدْرَاك ثَأْره، وَأَنا الْآن بخلاصك، أولى مني بِإِسْلَامِك، وَلَكِن تعذرني فِي مَكْرُوه أتناولك بِهِ، وقبيح أخاطبك بِهِ، يكون فِيهِ خلاصك بِمَشِيئَة الله تَعَالَى.

قَالَ: أَنْت وَذَاكَ.

قَالَ: فَطرح رِدَاءَهُ على رَأسه وَوَجهه، ولببه بِهِ، وَأَقْبل يجره.

فَلَمَّا وَقعت عين الرّبيع عَلَيْهِ، لطمه لطمات، وَجَاء بِهِ إِلَى الرّبيع، وَقَالَ:

يَا أَبَا الْفضل، إِن هَذَا الْخَبيث جمال من أهل الْكُوفَة، أكراني جماله ذَاهِبًا وراجعا، وَقد هرب مني فِي هَذَا الْوَقْت، وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عَلَيْهِ بذلك بَيِّنَة، فتضم إِلَيّ حرسيين يصيران بِهِ معي إِلَى القَاضِي، ويمنعان الْخُرَاسَانِي من عراره.

فضم إِلَيْهِ حرسيين، وَقَالَ: امضيا مَعَه.

فَلَمَّا بعد عَن الْمَسْجِد، قَالَ لَهُ: يَا خَبِيث، تُؤدِّي إِلَيّ حَقي؟ قَالَ: نعم يَا ابْن رَسُول الله.

فَقَالَ للحرسيين: انصرفا، وَأطْلقهُ مُحَمَّد.

فَقبل مُحَمَّد بن هِشَام رَأسه، وَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته، ثمَّ أخرج جوهرا لَهُ قدر، فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: تشرفني يَا سَيِّدي بِقبُول هَذَا مني.

فَقَالَ: يَا ابْن عَم، إِنَّا أهل بَيت، لَا نقبل على الْمَعْرُوف مُكَافَأَة، وَقد تركت لَك دم زيد، وَهُوَ أعظم من متاعك، فَانْصَرف راشدا، ووار شخصك، حَتَّى يخرج هَذَا الرجل، فَإِنَّهُ مجد فِي طَلَبك، فَمضى، وتوارى.

قَالَ: ثمَّ أَمر مُحَمَّد بن زيد، الدَّاعِي بطبرستان، للأموي، بِمثل مَا أَمر بِهِ لسَائِر بني عبد منَاف، وَضم إِلَيْهِ جمَاعَة من موَالِيه، وَأمرهمْ أَن يخرجُوا مَعَه إِلَى الرّيّ، ويأتوه بِكِتَاب بسلامته.

فَقَامَ الْأمَوِي، فَقبل رَأسه، وَمضى وَمَعَهُ الْقَوْم، حَتَّى وصل إِلَى مأمنه، وجاءوه بِكِتَاب بسلامته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.