تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مَالك بن طوق يتَزَوَّج المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ

وجدت فِي كتاب أبي الْفرج الحنطبي المَخْزُومِي الْكَاتِب: أَن مُحَمَّد بن عبد الحميد الْجُشَمِي قَالَ: حججْت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، فَأَنا فِي بعض الْمنَازل رَاجعا، إِذْ رَأَيْت فُقَرَاء بالبادية يستميحون، فوقفت مِنْهُم عَليّ جَارِيَة تَتَصَدَّق، بِوَجْه كَأَنَّهُ الْقَمَر حِين اسْتَدَارَ، أَو كقرن الشَّمْس حِين أنار، فَرددت طرفِي عَنْهَا، واستعذت بِاللَّه من الْفِتْنَة بهَا، فَلم تزل تذْهب وتجيء، فِيمَا بَين رجال الْحَج، وتعود إِلَى رحلي، فوقفت.

فَقلت لَهَا: أما تستحين أَن تبدين هَذَا الْوَجْه فِي مثل هَذَا الْموضع، بِحَضْرَة الْخَلَائق.

فلطمت وَجههَا، وَقَالَت:

لم أبده حَتَّى تقضت حيلتيفبذلته وَهُوَ الْأَعَز الأكرم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة
ويعز ذَاك عَليّ إِلَّا أَنهدهر يجور كَمَا ترَاهُ وَيظْلم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة
قد صنته وحجبته حَتَّى إِذالم يبْق لي طمع وَمَات الْهَيْثَم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة
أبرزته من حجبه مقهورةوَالله يشْهد لي بِذَاكَ وَيعلم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة
كشف الزَّمَان قناعه فِي بَلْدَةقل الصّديق بهَا وَعز الدِّرْهَم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة
أَصبَحت فِي أَرض الْحجاز غَرِيبَةوَأَبُو ربيعَة أسرتي ومحلم
للشاعر المهناة بنت الهيثم الشيبانية ، اقرأ القصيدة

قَالَ: فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من جمَالهَا، وفصاحتها، وأدبها، وشعرها، فبررتها، وَقلت لَهَا: مَا اسْمك؟

قَالَت: أَنا المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ، وَكَانَ أبي جارا لبني فَزَارَة، فاعتل، واستنفد مَاله، وَتُوفِّي، وَتَرَكَنِي فقيرة، فَاحْتَجت إِلَى التكفف.

قَالَ: ورحلنا، فَلَمَّا صرنا بالرحبة، دخلت إِلَى مَالك بن طوق مُسلما، فَسَأَلَنِي عَن طريقي وسفري، وَمَا رَأَيْته من الْأَعَاجِيب فِيهِ، فَحَدَّثته بِحَدِيث الْجَارِيَة، فأعجب بِهِ، واستطرف الأبيات، وكتبها مني، ورحلت إِلَى منزلي بِالشَّام.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام من اجتماعنا، أَتَانِي رَسُوله يستزيرني، فصرت إِلَيْهِ، فَبَيْنَمَا أَنا جَالس عِنْده يَوْمًا، فَإِذا خادمان قد جَاءَا مَعَهُمَا أكياس مختومة، وتخوت ثِيَاب مشدودة، فوضعاها بَين يَدي.

فَقلت لمَالِك: مَا هَذَا؟

قَالَ: هَذَا حقل دلالتك على المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ، الَّتِي أَظْفرنِي الله مِنْهَا بِمَا كَانَت أمنيتي تقصر عَنهُ، وَهِي أنفذت إِلَيْك بِهَذَا من مَالهَا، وَلَك من مَالِي ضعفه.

فَقلت: كَيفَ كَانَ خَبَرهَا؟ فَقَالَ: إِنَّك لما انصرفت، أنفذت رسلًا إِلَى الْبَادِيَة، أَثِق بعقولهم وأمانتهم، فَمَا زَالُوا يسْأَلُون عَنْهَا، حَتَّى ظفروا بهَا، فحملوها، ووليها مَعهَا، فتزوجتها، فَرَأَيْت مِنْهَا مَا زَاد على مَا كَانَ زرعه حَدِيثك عَنْهَا فِي نَفسِي، وَقد أفضت عَلَيْهَا من دنياي، بِحَسب تمكنها من قلبِي، فسألتني عَن سَبَب طلبي إِيَّاهَا، فَأَخْبَرتهَا بخبرك، وكتبت أستزيرك لأعرفك هَذَا، وأقضي حَقك، وَقد أمرت لَك بِعشْرين ألف دِرْهَم، وَعشر تخوت ثِيَاب.

قَالَ عبد الحميد: وَكَانَت أم عدَّة من أَوْلَاده.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.