تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

طلب الْولَايَة على بزبندات الْبَحْر وصدقات الْوَحْش

وَذكر أَيْضا فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مخلد، وَكَانَ يلقب لبد، لطول عمره، وروى عَنهُ الْمَدَائِنِي الْكَاتِب، عَن أَبِيه مخلد بن يزِيد: أَن الْمَأْمُون، أول مَا قدم الْعرَاق، خطر لَهُ أَن يُقَلّد الْأَعْمَال، الشِّيعَة الَّذين قدمُوا مَعَه من خُرَاسَان، فطالت عطلة كتاب السوَاد وعماله، وَكَانُوا يحْضرُون دَاره فِي كل يَوْم، حَتَّى ساءت أَحْوَالهم.

فَخرج يَوْمًا بعض مَشَايِخ الشِّيعَة، وَكَانَ مغفلا، فَتَأمل وُجُوههم، فَلم ير فيهم أسن من مخلد بن يزِيد، فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن أتخير نَاحيَة من نواحي الْخراج، صَالِحَة الْمرْفق، ليوقع بتقليدي إِيَّاهَا، فاختر لي نَاحيَة.

فَقَالَ: لَا أعرف لَك عملا أولى بك من بزبندات الْبَحْر، وصدقات الْوَحْش.

فَقَالَ لَهُ: أكتبه لي، فَكَتبهُ لي مخلد, فَعرض الشيعي الرقعة على الْمَأْمُون، وَسَأَلَ تَقْلِيده ذَلِك الْعَمَل.

فَقَالَ لَهُ: من كتب لَك هَذِه الرقعة؟ فَقَالَ: شيخ من الْكتاب، يحضر الدَّار فِي كل يَوْم.

فَقَالَ: هلمه.

فَلَمَّا دخل، قَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مَا هَذَا يَا جَاهِل؟ تفرغت لِأَصْحَابِي؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ ثِقَات يصلحون لحفظ مَا يصل إِلَى أَيْديهم من الخزائن وَالْأَمْوَال، وَأما شُرُوط الْخراج، وَحكمه، وَمَا يجب تَعْجِيل استخراجه، وَمَا يجب تَأْخِيره، وَمَا يجب إِطْلَاقه، وَمَا يجب مَنعه، وَمَا يجب إِنْفَاقه، وَمَا يجب الاحتساب بِهِ، فَلَا يعرفونه، تقليدهم يعود بذهاب الِارْتفَاع، فَإِن كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تثق بِنَا، فضم إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم رجلا منا، فَيكون الشيعي بِحِفْظ المَال، وَنحن نجمعه.

فاستطاب الْمَأْمُون رَأْيه وَكَلَامه، وَأمر بتقليد عُمَّال السوَاد وَكتابه، وَأَن يضم إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم، وَاحِدًا من الشِّيعَة، وَضم مخلد إِلَى ذَلِك الشَّيْخ، وقلده نَاحيَة جليلة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.