من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمَنْصُور يقتل مؤدب وَلَده جَعْفَر ظلما
وَذكر فِي كِتَابه: أَن الْمَنْصُور ضم رجلا يُقَال لَهُ: فُضَيْل بن عمرَان الْكُوفِي إِلَى جَعْفَر ابْنه، يكْتب لَهُ، وَيقوم بأَمْره.
وَكَانَت لجَعْفَر حاضنة تعرف بِأم عُبَيْدَة، فثقل عَلَيْهَا مَكَان فُضَيْل، فسعت بِهِ إِلَى أبي جَعْفَر، وَادعت عِنْده أَنه يلْعَب بِجَعْفَر، فَبعث الْمَنْصُور، مَوْلَاهُ الريان، وَهَارُون بن غَزوَان، مولى عُثْمَان بن نهيك، إِلَى الفضيل وَأَمرهمَا بقتْله، وَكتب لَهما منشورا بذلك، فصارا إِلَيْهِ فقتلاه.
وَكَانَ الفضيل دينا، عفيفا، فَقيل للمنصور فِي ذَلِك، وَأَنه أَبْرَأ النَّاس مِمَّا قرف بِهِ، فأحضر الْمَنْصُور غُلَاما من غلمانه، وَجعل لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، إِن أدْركهُ قبل أَن يقتل، فَصَارَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قد قتل، وَلم يجِف دَمه.
واتصل خبر قَتله بِجَعْفَر بن أبي جَعْفَر، فَطلب الريان، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ، قَالَ لَهُ: وَيلك، مَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي قتل رجل مُسلم بِغَيْر جرم؟ فَقَالَ لَهُ الريان: هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، يفعل مَا يَشَاء.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا ماص بظر أمه، أُكَلِّمك بِكَلَام الْخَاصَّة، فتكلمني بِكَلَام الْعَامَّة؟ جروا بِرجلِهِ، فألقوه فِي دجلة.
قَالَ الريان: فَأخذُوا وَالله برجلي، فَقلت: أُكَلِّمك بِكَلِمَة، ثمَّ اعْمَلْ مَا شِئْت.
فَقَالَ: ردُّوهُ، فَرددت، فَقَالَ: قل.
فَقلت لَهُ: أَبوك إِنَّمَا يسْأَل عَن قتل فُضَيْل بن عمرَان وَحده؟ وَمَتى يسْأَل عَنهُ، وَقد قتل عَمه عبد الله بن عَليّ، وَقتل عبد الله بن الْحسن، وعشرات من أَوْلَاد رَسُول الله ﷺ، وَقد قتل من أهل الدُّنْيَا مَا لَا يُحْصى
وَلَا يعد، هُوَ إِلَى أَن يسْأَل عَن فُضَيْل بن عمرَان جوشانة تَحت خصى فِرْعَوْن، قَالَ: فَضَحِك، وَقَالَ: خلوا عَنهُ، لَعنه الله، فَأَفلَت مِنْهُ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع