من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين الْإِسْكَنْدَر وَملك الصين
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قَالَ: قَرَأت فِي بعض الْأَخْبَار للأوائل، أَن الْإِسْكَنْدَر لما انْتهى إِلَى الصين، وحاصر ملكهَا، أَتَاهُ حَاجِبه، وَقد مضى من اللَّيْل شطره، فَقَالَ لَهُ: هَذَا رَسُول ملك الصين بِالْبَابِ، يسْتَأْذن عَلَيْك.
فَقَالَ: أدخلهُ.
فَوقف بَين يَدي الْإِسْكَنْدَر، وَسلم, وَقَالَ: إِن رأى الْملك أَن يخليني، فعل.
فَأمر الْإِسْكَنْدَر من بِحَضْرَتِهِ بالانصراف، وَبَقِي حَاجِبه، فَقَالَ: إِن الَّذِي جِئْت لَهُ لَا يحْتَمل أَن يسمعهُ غَيْرك.
فَقَالَ: فتشوه، ففتش، فَلم يُوجد مَعَه شَيْء من السِّلَاح.
فَوضع الْإِسْكَنْدَر بَين يَدَيْهِ سَيْفا مسلولا، وَأخرج حَاجِبه، وكل من كَانَ عِنْده، وَقَالَ لَهُ: قف بمكانك، وَقل مَا شِئْت.
فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَنا ملك الصين، لَا رَسُوله، وَقد جِئْت أَسأَلك عَمَّا تريده، فَإِن كَانَ مِمَّا يُمكن الانقياد إِلَيْهِ، وَلَو على أشق الْوُجُوه، قبلته، وغنيت أَنا وَأَنت عَن الْحَرْب.
قَالَ الْإِسْكَنْدَر: وَمَا آمنك مني؟
قَالَ: علمي بأنك رجل عَاقل، وَلَيْسَ بَيْننَا عَدَاوَة، وَلَا مُطَالبَة بذحل، وَأَنت تعلم أَنَّك إِن قتلتني لم يكن ذَلِك سَببا لِأَن يسلم إِلَيْك أهل الصين ملكهم، وَلم يمنعهُم قَتْلِي من أَن ينصبوا لأَنْفُسِهِمْ ملكا غَيْرِي، ثمَّ تنْسب أَنْت إِلَى غير الْجَمِيل، وضد الحزم.
فَأَطْرَقَ الْإِسْكَنْدَر، وَعلم أَنه رجل عَاقل، فَقَالَ: الَّذِي أريده مِنْك، ارْتِفَاع مملكتك لثلاث سِنِين عَاجلا، وَنصف ارتفاعها فِي كل سنة.
قَالَ: هَل غير ذَلِك شَيْء؟ قَالَ: لَا قَالَ: قد أَجَبْتُك.
قَالَ: فيكف يكون حالك حِينَئِذٍ؟ قَالَ: أكون قَتِيل أول محَارب، وأكلة أول مفترس.
قَالَ: فَإِن قنعت مِنْك بارتفاع ثَلَاث سِنِين، كَيفَ يكون حالك؟ قَالَ: أصلح مِمَّا كَانَت، وأفسح مُدَّة.
قَالَ: فَإِن قنعت مِنْك بارتفاع سنة؟ قَالَ: يكون ذَلِك كمالا لأمر ملكي، وموفيا لجَمِيع لذاتي.
قَالَ: فَإِن اقتصرت مِنْك على ارْتِفَاع السُّدس؟ قَالَ: يكون السُّدس موفرا، وَيكون الْبَاقِي للجيش ولسائر الْأَسْبَاب.
قَالَ: قد اقتصرت مِنْك على هَذَا، فشكره، وَانْصَرف.
فَلَمَّا طلعت الشَّمْس، أقبل جَيش ملك الصين حَتَّى طبق الأَرْض، وأحاط بِجَيْش الْإِسْكَنْدَر حَتَّى خَافُوا الْهَلَاك، وتواثب أَصْحَابه فَرَكبُوا، واستعدوا للحرب.
فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ طلع ملك الصين، وَعَلِيهِ التَّاج، وَهُوَ رَاكب،
فَلَمَّا رأى الْإِسْكَنْدَر، ترجل.
فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَر: غدرت؟ قَالَ: لَا وَالله.
قَالَ: فَمَا هَذَا الْجَيْش؟ قَالَ: إِنِّي أردْت أَن أريك أنني لم أطعك من قلَّة وَلَا من ضعف، وَأَنت ترى هَذَا الْجَيْش، وَمَا غَابَ عَنْك مِنْهُ أَكثر، وَلَكِنِّي رَأَيْت الْعَالم الْأَكْبَر مُقبلا عَلَيْك، مُمكنا لَك مِمَّن هُوَ أقوى مِنْك، وَأكْثر عددا، وَمن حَارب الْعَالم الْأَكْبَر غلب، فَأَرَدْت طَاعَته بطاعتك والذلة لأَمره بالذلة لَك.
فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر: لَيْسَ مثلك من يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء، فَمَا رَأَيْت بيني وَبَيْنك أحدا يسْتَحق التَّفْضِيل، وَالْوَصْف بِالْعقلِ، غَيْرك، وَقد أعفيتك من جَمِيع مَا أردته مِنْك، وَأَنا منصرف عَنْك.
فَقَالَ ملك الصين: أما إِذْ فعلت ذَلِك، فلست تخسر.
فَلَمَّا انْصَرف الْإِسْكَنْدَر، أتبعه ملك الصين، من الْهَدَايَا، بِضعْف مَا كَانَ قَرَّرَهُ مَعَه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع