من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين ابْن أبي الْبَغْل عَامل أَصْبَهَان وَأحد طلاب التَّصَرُّف
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم سعد بن عبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل يتقلد بلدنا، فَقدم عَلَيْهِ شيخ من الْكتاب يطْلب التَّصَرُّف، وَأورد عَلَيْهِ كتبا من الحضرة، يذكرُونَ فِيهَا طول عطلته، وَمحله من الصِّنَاعَة، ويسألونه تصريفه، فَسلم إِلَيْهِ الْكتب، فَتَركهَا ابْن أبي الْبَغْل بَين يَدَيْهِ، وَكَانَت كَثِيرَة، وَكَانَ فِيهِ حِدة وضجرة، فاستكثرها، وفض مِنْهَا وَاحِدًا، فقرأه، وَأَقْبل على شغله، من غير أَن يقْرَأ بَاقِي الْكتب.
فَقَالَ لَهُ الرجل: إِن رَأَيْت أَن تقف على بَاقِي الْكتب.
فضجر، وتغيظ، وَقَالَ: أَلَيْسَ كلهَا فِي معنى وَاحِد؟ قد وَالله بلينا بكم يَا متعطلين، كل يَوْم يصير إِلَيْنَا مِنْكُم وَاحِد يُرِيد تَصرفا، لَو كَانَت
خَزَائِن الأَرْض لي، لكَانَتْ قد نفدت، يَا هَذَا، مَالك عِنْدِي تصرف، وَلَا عمل شاغر فأرده إِلَيْك، وَلَا فِي مَالِي فضل فأبرك، فدبر أَمرك بِحَسب ذَلِك، هَذَا وَالرجل سَاكِت.
فَلَمَّا سكن ابْن أبي الْبَغْل، قَامَ الرجل، وَقَالَ: أحسن الله جزاءك وَفعل بك وصنع، وأسرف فِي الشُّكْر وَالدُّعَاء لَهُ، وَولى منصرفا.
فَقَالَ ابْن أبي الْبَغْل: ردُّوهُ، فَرجع.
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، هُوَ ذَا تسخر مني، على أَي شَيْء تشكرني؟ على إياسي لَك من التَّصَرُّف، أَو على قطع رجائك من الصِّلَة، أَو قَبِيح ردي لَك، أَو ضجري عَلَيْك؟ أم تُرِيدُ خدعتي بِهَذَا الْفِعْل؟ فَقَالَ: وَالله، مَا أُرِيد خداعك، وَمَا كَانَ مِنْك من قَبِيح الرَّد فَغير مُنكر، لِأَنَّك سُلْطَان، ولحقك ضجر، وَلَعَلَّ الْأَمر كَمَا ذكرته من كَثْرَة الواردين عَلَيْك، وَقد بعلت بهم، وَاتفقَ لقُوَّة نحسي، أَن كَانَ هَذَا الرَّد الْقَبِيح وَقع فِي بَابي، وَلم أشكرك إِلَّا فِي مَوضِع الشُّكْر، لِأَنَّك صدقتني عَمَّا فِي نَفسك من أول وهلة، وأعتقت عنقِي من رق الطمع، وأرحتني من التَّعَب بِالْغُدُوِّ والرواح إِلَيْك، وخدمة قوم أستشفع بهم إِلَيْك، وكشفت لي مَا أدبر بِهِ نَفسِي، وكسوتي جَدِيدَة، وَبَقِيَّة نفقتي معي، ولعلي أتحمل بهَا إِلَى بلد آخر، فِي وَجه أحد سواك.
قَالَ: فَأَطْرَقَ ابْن أبي الْبَغْل، وَمضى الرجل، فَرفع رَأسه، فاستدعاه، وَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأمر لَهُ بصلَة، وَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه، إِلَى أَن أقلدك مَا يصلح لَك، فَإِنِّي أرى فِيك مصطنعا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام قَلّدهُ عملا جَلِيلًا، وصلحت حَال الرجل مَعَه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع