من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين جحظة الْبَرْمَكِي ومحبرة بن أبي عباد الْكَاتِب
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، عَن جحظة، أَنه قَالَ: اتَّصَلت عَليّ إضاقة، حَتَّى بِعْت فِيهَا كل مَا أملك، وَبقيت وَلَيْسَ فِي دَاري غير البواري، فَأَصْبَحت يَوْمًا أفلس من طنبور مقطع الأوتار، ففكرت فِي الْحِيلَة، فَوَقع لي أَن أكتب إِلَى محبرة الْكَاتِب، وَكنت أجاوره بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ منقرسا، يلازم بَيته، حَتَّى صَار لَا يُمكنهُ الْحَرَكَة، إِلَّا أَن يحمل فِي محفة، وَكَانَ ظريفا، عَظِيم النِّعْمَة، كثير الشّرْب والقصف، فأتطايب عَلَيْهِ، ليدعوني، أَو يبرني بِشَيْء، فَكتبت إِلَيْهِ:
مَاذَا ترى فِي جديوبرمة بوارد
وقهوة ذَات لونيَحْكِي خدود الخرائد
ومسمع يتَغَنَّىمن آل يحيى بن خَالِد
إِن المضيع لهَذَانزر الْمُرُوءَة بَارِد
قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا بمحفة محبرة، يحملهَا غلمانه، إِلَى دَاري، وَأَنا جَالس على بَابهَا.
فَقلت: لم جِئْت، وَمن دعَاك؟ قَالَ: أَنْت.
قلت: إِنَّمَا قلت مَاذَا ترى، وعنيت فِي مَنْزِلك، وَلم أقل أَنه عِنْدِي، وبيتي وَالله أفرع من فؤاد أم مُوسَى.
فَقَالَ: قد جِئْت الْآن، وَلَا أرجع، وَلَكِن أحضر من دَاري، مَا أُرِيد.
فَقلت: ذَاك إِلَيْك، فَدخل الدَّار، فَلم ير فِيهَا إِلَّا بَارِية.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن، هَذَا وَالله فقر مدقع.
فَقلت: هُوَ مَا ترى.
فانفذ إِلَى دَاره، فجاءوه بفرش حَسَنَة، وَآلَة، وقماش، وآنية، وَطَعَام كثير من مطبخه، وألوان الْأَشْرِبَة، والفواكه، والمشام، وعبي الْمجْلس، وفرش الْفرش، وَجلسَ يَوْمه يشرب على غنائي وغناء مغنية دعوتها لَهُ كَانَت تألفني.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، سلم إِلَيّ غُلَامه كيسا فِيهِ ألفا دِرْهَم، ورزمة ثِيَاب صحاحا ومقطوعة من فاخر الثِّيَاب, واستدعى محفته فَجَلَسَ فِيهَا، وشيعته.
فَلَمَّا بلغ آخر الصحن، قَالَ: مَكَانك يَا أَبَا الْحسن، فَكل مَا فِي دَارك هُوَ لَك، فَلَا تدع أحدا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا.
وَقَالَ للغلمان: اخْرُجُوا بَين يَدي، فَخَرجُوا، وأغلقت بَابي على قماش يُسَاوِي ألوفا كَثِيرَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع