تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْوَزير عَليّ بن عِيسَى يَقُول: لَيْتَني تمنيت الْمَغْفِرَة

حَدثنِي أَبُو سهل بن زِيَاد الْقطَّان، صَاحب عَليّ بن عِيسَى، قَالَ: كنت مَعَ عَليّ بن عِيسَى بِمَكَّة، حِين نفي إِلَيْهَا، فَدَخَلْنَا فِي حر شَدِيد، وَقد كدنا نتلف، فَطَافَ عَليّ بن عِيسَى، وسعى، وَجَاء فألفى نَفسه كالميت من الْحر والتعب، وقلق قلقا شَدِيدا.

وَقَالَ: أشتهي على الله ﷿، شربة مَاء بثلج.

فَقلت لَهُ: يَا سيدنَا، تعلم أَن هَذَا مَا لَا يُوجد بِهَذَا الْمَكَان.

فَقَالَ: هُوَ كَمَا قلت، وَلَكِن نَفسِي ضَاقَتْ عَن ستر هَذَا، فاستروحت إِلَى المنى.

قَالَ: وَخرجت من عِنْده، فَرَجَعت إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام، فَمَا استقررت

فِيهِ، حَتَّى نشأت سَحَابَة، فأبرقت، وأرعدت رعدا مُتَّصِلا شَدِيدا، ثمَّ جَاءَت بمطر يسير، وَبرد كثير.

فبادرت إِلَى الغلمان، فَقلت: اجْمَعُوا، فجمعنا شَيْئا كثيرا، وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى نَائِما.

فَلَمَّا كَانَ وَقت الْمغرب، خرج إِلَى الصَّلَاة، فَقلت لَهُ: أَنْت وَالله مقبل، والنكبة زائلة، وَهَذِه عَلَامَات الإقبال، فَاشْرَبْ الثَّلج كَمَا طلبت.

وجئته إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بأقداح مَمْلُوءَة بالأشربة والأسوقة، مكبوسة بالبرد، فَأقبل يسْقِي ذَلِك من كَانَ بِقُرْبِهِ من الصُّوفِيَّة والمجاورين والضعفاء، ويستزيد، وَنحن نأتيه بِمَا عندنَا من ذَلِك، وَكلما قلت لَهُ: اشرب، يَقُول: حَتَّى يشرب النَّاس.

فخبأت من الْبرد مِقْدَار خَمْسَة أَرْطَال، وَقلت لَهُ: لم يبْق شَيْء.

فَقَالَ: الْحَمد لله، لَيْتَني كنت تمنيت الْمَغْفِرَة، بَدَلا من تمني الثَّلج، فلعلي كنت أجَاب.

فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيّ بَيته حَلَفت عَلَيْهِ أَن يشرب، فَمَا زلت أداريه حَتَّى شرب مِنْهُ بِقَلِيل مَاء وَسَوِيق، وتقوت بِهِ بَاقِي ليلته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.