تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

فَتى ورث مَالا فأتلفه ثمَّ آل أمره إِلَى صَلَاح

حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، أَيْضا، عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ يجاورنا بِبَغْدَاد فَتى من أَوْلَاد الْكتاب، ورث مَالا جَلِيلًا، فأتلفه فِي القيان، وَأكله إسرافا، حَتَّى لم يبْق مِنْهُ شَيْء، وَاحْتَاجَ إِلَى نقض دَاره، فَلم يبْق مِنْهَا غير بَيت يكنه.

فَحَدثني بعض من كَانَ يعاشره وَانْقطع عَنهُ لما افْتقر، قَالَ: قصدته يَوْمًا بعد انقطاعي عَنهُ نَحْو سنة، لأعرف خَبره، فَدخلت إِلَيْهِ، فَوَجَدته نَائِما فِي ذَلِك الْبَيْت، فِي يَوْم بَارِد، على حَصِير خلق، قد تُوطأ قطنا

كَأَنَّهُ حَشْو فرَاش، وتغطى بِقطن كَانَ فِي لِحَاف، فَهُوَ بَين ذَلِك الْقطن كَأَنَّهُ السفرجل.

فَقلت لَهُ: وَيحك، بلغت إِلَى هَذَا الْحَد.

فَقَالَ: هُوَ مَا ترى.

فَقلت: فَهَل لَك حَاجَة.

قَالَ: أَو تقضيها؟ فَظَنَنْت أَنه يطْلب مني شَيْئا أسعفه بِهِ، فَقلت: إِي وَالله.

فَقَالَ: أشتهي أَن تحملنِي إِلَى بَيت فُلَانَة الْمُغنيَة، حَتَّى أَرَاهَا، وَهِي الَّتِي كَانَ يتعشقها، وأتلف مَاله عَلَيْهَا.

وَبكى، فرحمته، فمضيت إِلَى منزلي، فَأَتَيْته من ثِيَابِي بِمَا لبسه، وأدخلته الْحمام، وَحَمَلته إِلَى بَيْتِي، فأطعمته، وبخرته، وذهبنا إِلَى دَار الْمُغنيَة.

فَلَمَّا رأتنا، لم تشك أَن حَاله قد صلحت، وَأَنه قد جاءها بِدَرَاهِم، فبشت فِي وَجهه، وَسَأَلته عَن حَاله، فصدقها عَن حَاله، حَتَّى انْتهى إِلَى ذكر الثِّيَاب، وَأَنَّهَا لي.

فَقَالَت لَهُ فِي الْحَال: قُم، قُم.

فَقَالَ: لم؟ فَقَالَت: لِئَلَّا تَجِيء ستي، فتراك، وَلَيْسَ مَعَك شَيْء، فتحرد عَليّ، لم أدخلتك، فَاخْرُج برا، حَتَّى أصعد فأكلمك من فَوق، فَخرج، وَجلسَ ينْتَظر أَن تخاطبه من روزنة فِي الدَّار، إِلَى الطَّرِيق، فأقلبت عَلَيْهِ مرقة سكباج،

فصيرته آيَة ونكالا.

فَبكى، وَقَالَ لي: بلغ أَمْرِي إِلَى هَذَا؟ أشهد الله، وأشهدك، أَنِّي تائب.

فَضَحكت مِنْهُ، وَقلت: أَي شَيْء تنفعك التَّوْبَة الْآن وَقد افْتَقَرت؟ فرددته إِلَى بَيته، ونزعت ثِيَابِي عَنهُ، وَتركته بَين الْقطن، كَمَا كَانَ أَولا، وحملت ثِيَابِي فغسلتها وانقطعت عَنهُ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا.

وَبعد نَحْو ثَلَاث سِنِين، بَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم بِبَاب الطاق، إِذا أَنا بِغُلَام يطْرق لرجل رَاكب، فَرفعت رَأْسِي، فَإِذا بِهِ على برذون فاره، بمركب فضَّة، خَفِيف، مليح، وَثيَاب حَسَنَة، وَكَانَ أَولا يركب من الدَّوَابّ أفخرها، وَمن المراكب أثقلها.

فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: يَا فلَان، فَعلمت أَن حَاله قد صلحت، فَقبلت فخده.

وَقلت: سَيِّدي أَبُو فلَان.

قَالَ: نعم، قد صنع الله تَعَالَى، وَله الْحَمد، الْبَيْت، الْبَيْت، فتبعته إِلَى منزله، فَإِذا بِالدَّار الأولة، قد رمها، وجصصها، من غير بَيَاض، وطبقها، وَبنى فِيهَا مجلسين مُتَقَابلين، وخزائن، ومستراح، وَجعل بَاقِي مَا كَانَ فِيهَا، صحنا كَبِيرا، وَقد صَارَت حَسَنَة، غير أَنَّهَا لَيست بذلك الْأَمر الأول.

فَأَدْخلنِي إِلَى حجرَة مِنْهَا، كَانَ يَخْلُو فِيهَا قَدِيما، قد أَعَادَهَا كأحسن

مَا كَانَت، وفيهَا فرش حَسَنَة، وَفِي دَاره ثَلَاثَة غلْمَان، قد جعل كل خدمتين إِلَى وَاحِد مِنْهُم، وَقد أَقَامَ على حرمه خَادِمًا كَانَ لِأَبِيهِ، وَله سائس هُوَ شاكريه، وَشَيخ بواب كَانَ يَصْحَبهُ قَدِيما، ووكيل يتسوق لَهُ.

فَجَلَسَ، وأجلسني، وأحضر فَاكِهَة قَليلَة، فِي آلَة مقتصدة مليحة، وَجَاءُوا بعْدهَا بِطَعَام نظيف، كَاف، غير مُسْرِف وَلَا مقصر، فأكلنا، ثمَّ نَام، وَلم تكن تِلْكَ عَادَته، ومدت ستارة، وأحضرت مشام ورياحين، فِي صواني وزبديات، والجميع متوسط مليح، غير مُسْرِف فانتبه، فصلى وتبخر بِقِطْعَة ند وبخرني بِقِطْعَة عود مطرى، وَقدم بَين يَدَيْهِ صينية فِيهَا من مطبوخ الْعِنَب شَيْء حسن، وَقدم بَين يَدي صينية فِيهَا نَبِيذ التَّمْر، جيد.

فَقلت: يَا سَيِّدي مَا هَذِه الترتيبات الَّتِي لست أعرفهَا.

فَقَالَ: دع مَا مضى، فَإِن الْحَال لَا تحْتَمل الْإِسْرَاف، فَأقبل يشرب، وَأَنا أساعده، فتغنى من وَرَاء الستارة، ثَلَاث جواري فِي نِهَايَة طيب الْغناء، كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أطيب من الَّتِي أنْفق عَلَيْهَا مَاله.

فَلَمَّا طابت أَنْفُسنَا، قَالَ لي: تذكر أيامنا الأولة؟ قلت: نعم.

قَالَ: أَنا الْآن فِي نعْمَة متوسطة، وَمَا قد أفدته من الْعقل، وَالْعلم بِأَمْر الدُّنْيَا وَأَهْلهَا يسليني عَمَّا ذهب مني، وَهُوَ ذَا ترى فرشي، وآلتي، ومركوبي، وَإِن لم يكن ذَلِك بالعظيم المفرط، فَفِيهِ جمال، وبلاغ، وتنعم، وكفاية، وَهُوَ مغن عَن الْإِسْرَاف، والتخرق، والتبذير، وَقد تخلصت من تِلْكَ الشدَّة، تذكر يَوْم عاملتني فُلَانَة الْمُغنيَة، بِمَا عاملتني؟ قلت: نعم وَالْحَمْد لله الَّذِي كشف ذَلِك عَنْك، فَمن أَيْن هَذِه النِّعْمَة؟ قَالَ: مَاتَ مولى لأبي، وَابْن عَم لي، فِي يَوْم وَاحِد بِمصْر، فَحصل لي من تركتهما أَرْبَعُونَ ألف دِينَار، فوصل أَكْثَرهَا إِلَيّ، وَأَنا بَين الْقطن كَمَا رَأَيْتنِي، فحمدت الله، واعتقدت التَّوْبَة من التبذير، وَأَن أدبر مَا رزقته، فعمرت هَذِه الدَّار بِأَلف دِينَار، واشتريت الْفرش، والآلة، والجواري بِتِسْعَة آلَاف دِينَار، وسلمت إِلَى بعض التُّجَّار الثِّقَات، ألفي دِينَار، يتجر لي بهَا، وأودعت بطن الأَرْض عشرَة آلَاف دِينَار، للحوادث، وابتعت بِالْبَاقِي ضَيْعَة تغل لي فِي كل سنة نفقتي هَذِه الَّتِي شاهدتها، فَمَا أحتاج إِلَى قرض، وَلَا استزادة، وَلَا تقبل غلَّة، إِلَّا وَعِنْدِي بَقِيَّة من الْغلَّة الأولة، فَأَنا أتقلب فِي نعْمَة الله، ﷿، كَمَا ترى، وَمن تَمام النِّعْمَة، إِنِّي لَا أعاشرك، وَلَا أحدا مِمَّن كَانَ يحسن لي السَّرف، يَا غلْمَان، أَخْرجُوهُ.

قَالَ: فأخرجت، فوَاللَّه مَا أذن لي بعْدهَا فِي الدُّخُول عَلَيْهِ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.