تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

زور مناما فجَاء مطابقا للْحَقِيقَة

قَالَ رجل من شُيُوخ الْكتاب، يُقَال لَهُ: عباد بن الْحَرِيش: صَحِبت عَليّ بن الْمَرْزُبَان، وَهُوَ يتقلد شيراز، من قبل عَمْرو بن اللَّيْث الصفار، فصادر المتصرفين على أَمْوَال، ألزمهم إِيَّاهَا، فَكنت مِمَّن أَخذ خطه عَن الْعَمَل الَّذِي تَوليته، بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم، فأديت مِنْهَا أَرْبَعِينَ ألفا، ودرجت حَالي، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء فِي الدُّنْيَا غير دَاري الَّتِي أسكنها، وَلَا قدر لثمنها فِيمَا بَقِي عَليّ، فَلم أدر مَا أصنع.

وفكرت، فَوجدت عَليّ بن الْمَرْزُبَان، رجلا حرا سليم الصَّدْر، فرويت لَهُ رُؤْيا، أَجمعت على أَن أَلْقَاهُ بهَا، وأجعلها سَببا لشكوى حَالي إِلَيْهِ، والتوصل إِلَى الْخَلَاص، وَكنت قد حفظت الرُّؤْيَا.

فاحتلت خمسين درهما، وبكرت إِلَيْهِ قبل طُلُوع الْفجْر، فدققت بَابه.

فَقَالَ حَاجِبه، من خلف الْبَاب: من أَنْت؟

فَقلت: عباد بن الْحَرِيش.

فَقَالَ: فِي هَذَا الْوَقْت؟ قلت: مُهِمّ، فَفتح الْبَاب.

فشكوت إِلَيْهِ حَالي، وَقلت: هَذِه خَمْسُونَ درهما، لَا أملك غَيرهَا، خُذْهَا، وأدخلني عَلَيْهِ، قبل أَن يتكاثر النَّاس عَلَيْهِ.

فَدخل، فَاسْتَأْذن لي، وتلطف، إِلَى أَن أوصلني إِلَيْهِ، وَهُوَ يستاك.

فَقَالَ: مَا جَاءَ بك فِي هَذَا الْوَقْت؟ فدعوت لَهُ، وَقلت: بِشَارَة رَأَيْتهَا البارحة.

فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فَقلت: رَأَيْتُك فِي النّوم، كَأَنَّك تَجِيء إِلَى شيراز، من حَضْرَة الْأَمِير، وتحتك فرس أَشهب عَال، لم تَرَ عَيْني قطّ أحسن مِنْهُ، وَعَلَيْك السوَاد، وقلنسوة الْأَمِير، وَفِي يدك خَاتمه، وحولك مائَة ألف إِنْسَان، مَا بَين فَارس وراجل، وَقد تلقوك، وَأَنا فيهم، إِلَى الْعقبَة الْفُلَانِيَّة، وَقد لقيك أَمِير الْبَلَد، فترجل لَك وَأَنت تجوز، وطريقك كُله أَخْضَر، مزهر بِالنورِ، وَالنَّاس يَقُولُونَ: إِن الْأَمِير، قد استخلفك على جَمِيع أمره.

فَقَالَ: خيرا رَأَيْت، وَخيرا يكون، فَمَا تُرِيدُ؟ فشكوت إِلَيْهِ حَالي، وَذكرت لَهُ أَمْرِي.

فَقَالَ: أنظر لَك بِعشْرين ألف، وَتُؤَدِّي عشْرين ألف دِرْهَم.

فَحَلَفت لَهُ بأيمان الْبيعَة، أَنه لم يبْق لي إِلَّا مسكني، وثمنه شَيْء يسير، وبكيت، وَقبلت يَده، واضطربت بِحَضْرَتِهِ، فرحمني، وَكتب إِلَى الدِّيوَان

بِإِسْقَاط مَا عَليّ، وانصرفت.

فَلم تمض إِلَّا شهور، حَتَّى كتب عَمْرو بن اللَّيْث إِلَى عَليّ بن الْمَرْزُبَان، يستدعيه، ويأمره بِحمْل مَا اجْتمع لَهُ من المَال صحبته.

وَكَانَ قد جمع من الْأَمْوَال، مَا لم يسمع أَنه اجْتمع قطّ لأحد من مَال فَارس، مبلغه سِتُّونَ ألف ألف، فحملها مَعَه إِلَى نيسابور، وَخرج عَمْرو، فَتَلقاهُ وَجَمِيع قواده.

فأعظم الْأَمْوَال، واستخلفه على فَارس وأعمالها، حَربًا وخراجا، وخلع عَلَيْهِ سوادا، وَحمله على فرس أشب عَال، وَدفع إِلَيْهِ خَاتمه، ورده إِلَى فَارس.

فَوَافى فِي وَقت الرّبيع، وَلم يحل الْحول على رُؤْيَايَ، وَخرج أَمِير الْبَلَد، يستقبله على ثَلَاثِينَ فرسخا، وَخرجت فَلَقِيته على الْعقبَة الَّتِي ذكرتها فِي الْمَنَام الْمَوْضُوع، وَالدُّنْيَا على الْحَقِيقَة خضراء بأنوار الرّبيع، وَحَوله أَكثر من مائَة ألف فَارس وراجل، وَعَلِيهِ قنسوة عَمْرو بن اللَّيْث، وَفِي يَده خَاتمه، وَعَلِيهِ السوَاد، فدعوت لَهُ.

فَلَمَّا رَآنِي تَبَسم، وَأخذ بيَدي، وأحفى بِي السُّؤَال، ثمَّ فرق الْجَيْش بَيْننَا، فلحقته إِلَى دَاره، فَلم أستطع الْقرب مِنْهُ لِكَثْرَة الدَّوَابّ، فَانْصَرَفت، وباكرته فِي السحر.

فَقَالَ لي الْحَاجِب: من أَنْت؟

فَقلت: عباد بن الْحَرِيش، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ، وَهُوَ يستاك.

فَضَحِك إِلَيّ، وَقَالَ: قد صحت رُؤْيَاك.

فَقلت: الْحَمد لله.

فَقَالَ: لَا تَبْرَح من الدَّار حَتَّى أنظر فِي أَمرك.

وَكَانَ بارا بأَهْله، ورسمه إِذا ولي عملا، أَن لَا ينظر فِي شَيْء من أَمر نَفسه، حَتَّى ينظر فِي أَمر أَهله، فَيصْرف من صلح مِنْهُم للتَّصَرُّف، فَإِذا فرغ؛ عدل إِلَى الْأَخَص، فالأخص من حَاشِيَته، فَإِذا فرغ من ذَلِك؛ نظر فِي أَمر نَفسه.

فَجَلَست فِي الدَّار إِلَى الْعَصْر، وَهُوَ ينظر فِي أَمر أَهله، والتوقيعات تخرج بالصلات والأرزاق، وَكتب التقليدات، إِلَى أَن صَاح الْحَاجِب: عباد بن الْحَرِيش، فَقُمْت إِلَيْهِ، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ.

فَقَالَ: إِنِّي مَا نظرت فِي أَمر أحد غير أَهلِي، فَلَمَّا فرغت مِنْهُم؛ بدأت بك قبل النَّاس كلهم، فاحتكم مَا تُرِيدُ؟ فَقلت: ترد عَليّ مَا أخذت مني، وتوليني الْعَمَل الَّذِي كَانَ بيَدي.

فَوَقع لي بذلك، وَقَالَ: امْضِ، فقد أوغرت لَك الْعَمَل، فَخذ ارتفاعه كُله.

فَكَانَ يستدعيني كل مُدَّة، وَلَا يَأْخُذ مني شَيْئا، وَإِنَّمَا يكْتب لي روزات من مَال الْعَمَل، وَيصْلح لي حسبانات يخلدها الدِّيوَان، فأرجع إِلَى الْعَمَل.

فَكنت على ذَلِك إِلَى أَن زَالَت أَيَّامه، فَرَجَعت إِلَى شيراز وَقد اجْتمع لي مَال عَظِيم، صودرت على بعضه، وَجَلَست فِي بَيْتِي، وعقدت نعْمَة ضخمة، وَلم أتصرف إِلَى الْآن.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.