من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
٢٥٧ دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام قَالَ: كَانَ فِي يَد صاعد بن مخلد ضمانات كَثِيرَة، وَكَانَت مُعَامَلَته مَعَ أبي نوح عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ صاعد من وُجُوه النَّاس.
فَحَضَرَ صاعد بَين يَدي أبي نوح، يحاسبه فِي أَمْوَال وَجَبت عَلَيْهِ، فجرت بَينهمَا مناظرات، فشتم فِيهَا أَبُو نوح صاعدا، فَرد عَلَيْهِ صاعد، مثل مَا قَالَه لَهُ.
فاستعظم الْحَاضِرُونَ ذَلِك، واستخفوا بصاعد، وَقَالُوا لَهُ: يَا مَجْنُون، مَا هَذَا الْفِعْل؟ قتلت نَفسك، ثمَّ أقاموه، وخلصوه من أبي نوح، وَقَالُوا: هَذَا مَجْنُون، لم يدر مَا خرج من رَأسه.
فَانْصَرف إِلَى منزله، متحيرا، لَا يدْرِي مَا يصنع فِيمَا نزل بِهِ، فَحدث أَخَاهُ عبدونا بِمَا جرى.
فَقَالَ لَهُ: إِن لم تُطِعْنِي، قبض عَلَيْك فِي غَد، وطالبك من المصادرة بِمَا لَا يَفِي بِهِ حالك، وَلَا حَال جَمِيع أهلك، وقتلك، بِلَا شكّ، تشفيا.
قَالَ لَهُ صاعد: فَمَا الرَّأْي؟ قَالَ: كم عنْدك من المَال، واصدقني؟ قَالَ: خَمْسُونَ ألف دِينَار.
قَالَ: أتطيب نَفسك أَن تتعرى عَنْهَا، وتحرس دمك، وَمَا يبْقى من حالك وضياعك، أم لَا تسمح بذلك؟ فتؤخذ مِنْك تَحت المقارع، وَتذهب النَّفس وَالنعْمَة كلهَا؟ فَقَالَ لَهُ: قد تعريت عَنْهَا؛ كي تبقى نَفسِي.
قَالَ: فادفع إِلَيّ مِنْهَا ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، فَفعل.
فحملها عبدون، وأتى حَاجِب مُوسَى بن بغا، فَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه الْعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وأوصلني إِلَى فلَان الْخَادِم، وَكَانَ هَذَا خادمه
الَّذِي يتعشقه مُوسَى، ويطيعه فِي كل أُمُوره، ومُوسَى إِذْ ذَاك هُوَ الْخَلِيفَة، وكتبته كالوزارة، والأمور فِي يَده، والخليفة فِي حجره.
قَالَ: فَأخذ الْحَاجِب ذَلِك، وأوصله إِلَى الْخَادِم، فَأحْضرهُ الْعشْرين ألف دِرْهَم، وَقَالَ: خُذ هَذِه، وأوصلني إِلَى الْأَمِير السَّاعَة، وأعني عَلَيْهِ فِي حَاجَة أُرِيد أَن أسأله إِيَّاهَا، ومشورة أُشير بهَا عَلَيْهِ، فأوصله الْخَادِم إِلَيْهِ.
فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ؛ سعى إِلَيْهِ بكتابه، وَقَالَ بِهِ: قد نبهوك، وَأخذُوا مَالك، وأخربوا ضياعك، وَأخي يَجْعَل كتابتك أجلّ من الوزارة، ويغلب لَك على الْأُمُور، ويوفر عَلَيْك كَذَا، وَيحمل إِلَيْك اللَّيْلَة، من قبل أَن ينتصف اللَّيْل، خمسين ألف دِينَار عينا، هَدِيَّة لَك، لَا يُرِيد عَنْهَا مُكَافَأَة، وَلَا يرتجعها من مَالك، وتستكتبه، وتخلع عَلَيْهِ.
فَقَالَ مُوسَى: أفكر فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا فكر، وألح عَلَيْهِ.
فَقَالَ الْخَادِم: فِي الدُّنْيَا أحد جَاءَهُ مثل هَذَا المَال، فَرده؟ وَكَاتب بكاتب، فَأَجَابَهُ مُوسَى، وأنعم لَهُ.
فَقَالَ لَهُ عبدون: فتستدعي أخي السَّاعَة، وتشافهه بذلك، فأنفذ إِلَيْهِ، فَأحْضرهُ، وَقرر عَلَيْهِ ذَلِك، وَبَات عبدون فِي الدَّار لتصحيح المَال، فوفاه.
وَبكر صاعد، فَخلع عَلَيْهِ لكتابته، وأركب الْجَيْش كُله فِي خدمته، وانقلبت سامراء، بِظُهُور الْخَبَر.
فبكر بعض المتصرفين إِلَى الْحسن بن مخلد، وَكَانَ صديقا لأبي نوح، فَقَالَ لَهُ: قد خلع على صاعد.
فَقَالَ: لأي شَيْء؟ فَقَالَ: تقلد كِتَابَة مُوسَى بن بغا، فاستعظم ذَلِك.
وَركب فِي الْحَال إِلَى أبي نوح، وَقَالَ لَهُ: عرفت خبر صاعد؟ فَقَالَ: نعم، الْكَلْب، قد بلغك مَا عاملني بِهِ، وَالله لَأَفْعَلَنَّ بِهِ، ولأصنعن.
فَقَالَ لَهُ: أَنْت نَائِم؟ ! لَيْسَ هَذَا أردْت، قد ولي الرجل كِتَابَة الْأَمِير مُوسَى بن بغا، وخلع عَلَيْهِ، وَركب مَعَه الْجَيْش بأسرهم إِلَى دَاره.
فَقَالَ أَبُو نوح: لَيْسَ هَذَا مَا ظننته، بَات خَائفًا منا، فأصبحنا خَائِفين مِنْهُ، فَمَا الرَّأْي عنْدك؟ قَالَ: أَن أصلح بَيْنكُمَا السَّاعَة.
فَركب الْحسن بن مخلد إِلَى صاعد، فهنأه، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يُصَالح أَبَا نوح، وَقَالَ لَهُ: أَنْت بِلَا زَوْجَة، وَأَنا أجعلك صهره، وتعتضد بِهِ، وَإِن كنت قد نصرت عَلَيْهِ، فَهُوَ من تعلم مَوْضِعه وَمحله وَمحل مصاهرته ومودته، وَلم يَدعه حَتَّى أجَاب إِلَى الصُّلْح والمصاهرة.
فَقَالَ لَهُ: فتركب معي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَبُو الْبِنْت، وَالزَّوْج يقْصد الْمَرْأَة، وَلَوْلَا ذَاك لجاءك.
فَحَمله من يَوْمه إِلَى أبي نوح، واصطلحا، وَوَقع العقد فِي الْحَال بَينهمَا فِي ذَلِك الْمجْلس، وَزوج أَبُو نوح ابْنَته الْأُخْرَى بِالْعَبَّاسِ بن الْحسن بن مخلد، فَولدت لَهُ أَبَا عِيسَى، الْمَعْرُوف بـ: ابْن بنت أبي نوح، صَاحب بَيت مَال الْإِعْطَاء،
ثمَّ تقلد زِمَام ديوَان الْجَيْش لِعَمِّهِ سُلَيْمَان بن الْحسن، فَكَانَت كِتَابَة صاعد لمُوسَى، ومصاهرته لأبي نوح، أول مرتبَة عَظِيمَة بلغَهَا، وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال، حَتَّى بلغ الوزارة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع