تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

٢٥٦ الْقَائِد هرثمة بن أعين يتحدث عَمَّا أمره بِهِ الْهَادِي فِي لَيْلَة مَوته

حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، عَن مُحَمَّد بن الْفضل: أَن هرثمة بن أعين، قَالَ: كنت اختصصت بمُوسَى الْهَادِي، وَكنت، مَعَ ذَلِك، شَدِيد الحذر مِنْهُ؛ لإقدامه على سفك الدِّمَاء.

فاستدعاني نصف نَهَار، فِي يَوْم شَدِيد الْحر، قبل أكلي، فتداخلني مِنْهُ رعب، وبادرت فَدخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي حجرَة من دور حرمه، فصرف جَمِيع من كَانَ بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ لي: اخْرُج وأغلق الْبَاب، وعد إِلَيّ، فازداد جزعي، فَفعلت، وعدت إِلَيْهِ.

فَقَالَ لي: قد تأذيت بِهَذَا الْكَلْب الملحد، يحيى بن خَالِد، لَيْسَ لَهُ فكر غير تضريب الْجَيْش، واجتذابهم إِلَى صَاحبه هَارُون، يُرِيد أَن يقتلني، ويسوق إِلَيْهِ الْخلَافَة، وَأُرِيد أَن تمْضِي اللَّيْلَة إِلَى هَارُون، وتقبض عَلَيْهِ، وتذبحه، وتجيني بِرَأْسِهِ، إِمَّا فِي دَاره، وَإِمَّا أَن تخرجه برسالتي تستدعيه إِلَى حضرتي، ثمَّ تعدل بِهِ إِلَى دَارك، فتقتله، وتجيني بِرَأْسِهِ.

فورد عَليّ لأعظم وَارِد، فَقلت: تَأذن، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي الْكَلَام؟ فَقَالَ: قل.

فَقلت: أَخُوك، وَابْن أَبِيك، وَله بعْدك الْعَهْد، فَكيف تكون صورتنا، أَولا عِنْد الله، ثمَّ عِنْد الْجَيْش؟ فَقَالَ: إِنَّك إِن فعلت هَذَا، وَإِلَّا ضربت عُنُقك السَّاعَة.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

فَقَالَ: وَأُرِيد إِذا فرغت مِنْهُ هَذِه اللَّيْلَة، أَن تخرج من فِي الْحَبْس من الطالبيين، فَتضْرب رِقَاب أَكْثَرهم، وتغرق البَاقِينَ.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

قَالَ: ثمَّ ترحل إِلَى الْكُوفَة، فتجمع من تقدر عَلَيْهِ من الْجَيْش، فَتخرج من بهَا من العباسيين، وشيعتهم، وعمالنا، والمتصرفين، ثمَّ تضرمها بالنَّار، حَتَّى لَا يبْقى فِيهَا جِدَار.

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أَمر عَظِيم.

فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أعداؤنا، وشيعة آل أبي طَالب، وكل آفَة ترد علينا، فَهِيَ من جهتهم، وَلَا بُد من هَذَا.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

فَقَالَ: لَا تَبْرَح من مَكَانك إِلَى نصف اللَّيْل؛ لتمضي إِلَى هَارُون.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

ونهض عَن مَوْضِعه، وَدخل إِلَى دور النِّسَاء، وَجَلَست مَكَاني، لَا أَشك أَنه قد قبض عَليّ ليقتلني، وَيُدبر هَذِه الْأُمُور على يَد غَيْرِي، لما أظهرت لَهُ من الْجزع عِنْد كل بَاب مِنْهَا، والتخطئة لرأيه، والامتناع عَلَيْهِ، ثمَّ الْإِجَابَة، وَقد علم الله، تَعَالَى، أَنِّي مَا أَجَبْته إِلَّا على أَن أخرج من حَضرته، فأركب فرسي من بَابه، وَألْحق بِطرف من الأَرْض، وأفارق جَمِيع نعمتي، فَأَكُون بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيّ، حَتَّى أَمُوت، أَو يَمُوت.

فَلَمَّا اعتقلني، وَدخل دَار الْحرم؛ لم أَشك فِي أَنه قد فطن لغرضي، وَأَنه سيقتلني؛ لِئَلَّا يفشو السِّرّ، فوردت عَليّ شدَّة شَدِيدَة، وغلبت عَليّ،

فطرحت نَفسِي فِي الْحر مغموما، جائعا، على عتبَة الْمجْلس، ونمت.

فَمَا انْتَبَهت إِلَّا بخادم قد أيقظني، وَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَنَظَرت الْوَقْت، فَإِذا هُوَ نصف اللَّيْل.

فَقلت: إِنَّا لله، عزم وَالله على قَتْلِي، فمشيت مَعَه، وَأَنا أَتَشهد، إِلَى ممرات سَمِعت مِنْهَا كَلَام النِّسَاء.

فَقلت: عزم على قَتْلِي بِحجَّة، يَقُول: من أذن لَك فِي الدُّخُول إِلَى حرمي، ويعتل عَليّ بذلك، فوقفت.

فَقَالَ لي الْخَادِم: ادخل.

فَقلت: لَا أَدخل.

فَقَالَ لي: ادخل، وَيحك.

فَقلت: هوذا أسمع صَوت الْحرم، وَلَا يجوز لي أَن أَدخل.

فجذبني، فَصحت: وَالله، لَا دخلت، وَلَو ضربت عنقِي، أَو أسمع كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ، بِالْإِذْنِ لي.

وَإِذا امْرَأَة تصيح: وَيلك يَا هرثمة، أَنا الخيزران، وَقد حدث أَمر عَظِيم، استدعيتك لَهُ، فَادْخُلْ.

فتحيرت، وَدخلت، وَإِذا ستارة ممدودة، فَقيل لي من وَرَائِهَا: إِن مُوسَى قد مَاتَ، وأراحك الله مِنْهُ، وَجَمِيع الْمُسلمين، فَانْظُر إِلَيْهِ، فَأَتَيْته، فَإِذا هُوَ

مسجى على فرَاشه، فمسست قلبه، ومجسه، ومناخره، فَإِذا هُوَ ميت بِلَا شكّ.

فَقلت: مَا كَانَ خَبره؟ فَقَالَت لي الخيزران: كنت بِحَيْثُ أسمع خطابه لَك فِي أَمر ابْني هَارُون، وَأمر الطالبيين، وَأهل الْكُوفَة، فَلَمَّا دخل عَليّ؛ استعطفته، وَسَأَلته أَن لَا يفعل شَيْئا من ذَلِك، فصاح عَليّ، فَلم أزل أرْفق بِهِ، إِلَى أَن كشف لَهُ ثديي، وشعري، وبكيت، وتمرغت بَين يَدَيْهِ، وَنَاشَدْته الله أَن لَا يفعل، فَانْتَهرنِي، وَقَالَ: وَالله، لَئِن لم تمسكي؛ لَأَضرِبَن عُنُقك السَّاعَة، فخفته، وَقمت، فصففت قدمي فِي الْمِحْرَاب، أُصَلِّي، وأبكي، وأدعو عَلَيْهِ.

فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ سَاعَة، طرح نَفسه على فرشه لينام، فشرق، فتداركناه بكوز مَاء، فازداد شرقه، إِلَى أَن تلف، فَامْضِ إِلَى يحيى بن خَالِد، وعرّفه مَا جرى، وامضيا إِلَى هَارُون، وجيئا بِهِ قبل انتشار الْخَبَر، وجددا لَهُ الْبيعَة على النَّاس.

فَخرجت وَجئْت بالرشيد، فَمَا أَصْبَحْنَا إِلَّا وَقد فَرغْنَا من بيعَته، واستقام أمره، وتوطأت الْخلَافَة لَهُ، وكفاني الله، تَعَالَى، وَالنَّاس، مَا كَانَ أظلنا من مَكْرُوه مُوسَى، وَكَانَ ذَلِك سَبَب اختصاصي الْعَظِيم بالرشيد، وتضاعف نعمتي ومحلي عِنْده.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.