تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

٢٥٥ ابْن هرمة يتحدث عَن أفضال عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان

قَالَ: قَالَ رجل لِابْنِ هرمة: بِمَا اسْتحق مِنْك عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان أَن تَقول فِيهِ:

أعبد الْوَاحِد المأمول إِنِّيأغص حذار سخطك بالقراح
وجدنَا غَالِبا كَانَت جنَاحاوَكَانَ أَبوك قادمة الْجنَاح؟

فَقَالَ: إِن ذهبت أعدد صنائعه الَّتِي اسْتحق لَهَا مني هَذَا القَوْل، طَالَتْ، وَلَكِن أخْبرك بأصغر صَنِيعَة لَهُ عِنْدِي.

كنت مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ أَيَّام كَانَ يتولاها، فأغناني عَن سواهُ، ثمَّ عزل، فَظَنَنْت أَن الْوَالِي سيحسن إِلَيّ، فَلم يبرني بِشَيْء، فأنفقت مَا كَانَ معي، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء.

فَقلت لأختي: وَيحك، أما تَرين مَا أَنا فِيهِ من الشدَّة، وَتعذر الْقُوت؟ قَالَت: بِسوء اختيارك.

قلت: فبمن تشيرين؟

فَقَالَت: مَا أعرف لَك غير عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان.

فَقلت: وَمن لي بِهِ، وَهُوَ بِدِمَشْق، وَأَنا بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَت: أَنا أعينك على قصدك إِلَيْهِ.

فَقلت: افعلي.

فباعت حليا كَانَ لَهَا، واشترت لي رَاحِلَة، وزودتني، فوافيت دمشق بعد اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة، فأنخت عشَاء على بَاب عبد الْوَاحِد، وعقلت رَاحِلَتي، وَدخلت الْمَسْجِد، فحططت فِيهِ رحلي.

فَلَمَّا صلى عبد الْوَاحِد، وَجلسَ يسبح؛ حوّل وَجهه إِلَى جُلَسَائِهِ، فَنظر إِلَى رحلي، فَقَالَ: لمن هَذَا؟ فَوَثَبت، وَقبلت يَده، وَقلت: أَنا يَا سَيِّدي، عَبدك ابْن هرمة.

فَقَالَ: مَا خبرك يَا أَبَا إِسْحَاق؟ فَقلت: شَرّ خبر، بعْدك، أَيهَا الْأَمِير، تلاعبت بِي المحن، وجفاني الصّديق، ونبا بِي الوطن، فَلم أجد معولا إِلَّا عَلَيْك.

فوَاللَّه، مَا أجابني إِلَّا بدموعه، ثمَّ قَالَ: وَيحك، أبلغ بك الْجهد إِلَى مَا ذكرت؟ فَقلت: إِي وَالله، وَمَا أخفيه عَنْك أَكثر.

فَقَالَ: اسكن، وَلَا ترع.

ثمَّ إِنَّه نظر إِلَى فتية بَين يَدَيْهِ، كَأَنَّهُمْ الصقور، فَوَثَبُوا، فاستدعى أحدهم، وهمس إِلَيْهِ بِشَيْء، فَمضى مسرعا، ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الثَّانِي، فهمس إِلَيْهِ بِشَيْء، وَكَذَلِكَ الثَّالِث، فَمضى.

ثمَّ أقبل الأول، وَمَعَهُ خَادِم على رَأسه كيس، فَصَبَّهُ فِي حجري، فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: كم هَذَا؟ فَقَالَ: ألف دِينَار وَسبع مائَة دِينَار، وَوَاللَّه مَا فِي خزانتك غَيرهَا.

ثمَّ أقبل الثَّانِي، وَبَين يَدَيْهِ عبد على كتفه كارة، فصبها بَين يَدَيْهِ، فَإِذا فِيهَا حلي مخلع من بَنَاته ونسائه.

فَقَالَ: وَالله، مَا تركت لَهُنَّ شَيْئا، إِلَّا أَخَذته.

وَأَقْبل الثَّالِث، وَمَعَهُ غلامان، مَعَهُمَا كارتان عظيمتان من فاخر ثِيَابه، فَوضع ذَلِك بَين يَدي.

ثمَّ قَالَ: يَابْنَ هرمة، أَنا أعْتَذر إِلَيْك من قلَّة مَا حبوتك بِهِ، مَعَ بعد الْعَهْد، وَطول الشقة، وسعة الأمل، وَلَكِنَّك جئتنا فِي آخر السّنة، وَقد تقسمت أَمْوَالنَا الْحُقُوق، ونهبتنا أَيدي المؤملين، فَلم يبْق عندنَا غير هَذِه الصبابة، آثرناك بهَا على أَنْفُسنَا، وسللناها لَك من أفواهنا، وَلَو قدمت قبل هَذَا الْإِعْسَار؛ لأعطيناك مَا يَكْفِيك، وَلَو علمنَا بك؛ لأتاك عفوا، وَلم تتجشم الْمَشَقَّة، وَلم نحوجك إِلَى مَا سوانا، وَذَلِكَ منا لَك أبدا، مَا بقيت، فأقسم عَلَيْك، لما أَصبَحت إِلَّا على ظهر راحلتك، وتداركت أهلك، فخلصتهم من هَذِه المحنة، فَقُمْت إِلَى نَاقَتي، فَإِذا هِيَ قد ضعفت.

فَقَالَ: مَا أرى فِي نَاقَتك خيرا، يَا غُلَام، أعْطه نَاقَتي الْفُلَانِيَّة، فجِئ بهَا برحلها، فَكَانَت، وَالله، أحب إِلَيّ من جَمِيع مَا أَعْطَانِي، ثِقَة ببلوغها، ثمَّ دَعَا بناقتين أُخْرَيَيْنِ، وأوقرهما من المَال وَالثيَاب، وَزَادا يَكْفِينِي لطريقي، ووهب لي عَبْدَيْنِ.

وَقَالَ: هَذَانِ يخدمانك فِي السَّقْي والرعي، فَإِن شِئْت بعتهما، وَإِن شِئْت أبقيتهما، أفتلومني أَنِّي أغص حذار سخطه بريقي؟ قَالَ: لَا وَالله.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.