تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الصُّوفِي المتَوَكل وجام فالوذج حَار

حَدثنِي ابْن سيار، عَن شيخ من الصُّوفِيَّة، قَالَ: صَحِبت شَيخا من الصُّوفِيَّة، وَجَمَاعَة مِنْهُم، فِي سفر، فَجرى ذكر التَّوَكُّل والأرزاق وَضعف النَّفس.

فَقَالَ ذَلِك الشَّيْخ: عَليّ، وَعلي، وَحلف بأيمان مُغَلّظَة، لَا ذقت شَيْئا، أَو يبْعَث الله، ﷿، إِلَيّ جَام فالوذج حَار، وَلَا آكله إِلَّا بعد أَن يحلف عَليّ، أَو يجرى عَليّ مَكْرُوه، وَكُنَّا نمشي فِي الصَّحرَاء.

فَقَالَت الْجَمَاعَة: أَنْت جَاهِل، وَنحن نمشي، حَتَّى انتهينا إِلَى الْقرْيَة، وَقد مضى عَلَيْهِ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَلم يطعم شَيْئا، ففارقته الْجَمَاعَة، غَيْرِي.

فَطرح نَفسه فِي مَسْجِد فِي الْقرْيَة، وَقد ضعفت قوته، وأشرف على الْمَوْت، فأقمت عِنْده.

فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث، وَقد انتصف اللَّيْل، وَكَاد يتْلف؛ دق علينا بَاب الْمَسْجِد، ففتحته، فَإِذا بِجَارِيَة سَوْدَاء وَمَعَهَا طبق مغطى، فَلَمَّا رأتنا؛ قَالَت: أَنْتُم من أهل الْقرْيَة، أم غرباء؟

فَقُلْنَا: غرباء.

فَكشفت عَن جَام فالوذج حَار.

فَقَالَت: كلوا.

فَقلت لَهُ: كل.

فَقَالَ: لَا أفعل.

فَقلت: وَالله، لَا أكلت، أَو تَأْكُل، وَوَاللَّه لتأكلن؛ لأبر قسمه.

فَقَالَ: لَا أفعل.

فشالت الْجَارِيَة يَدهَا، فصفعته صفعة عَظِيمَة، وَقَالَت: وَالله، لَئِن لم تَأْكُل، لأصفعنك هَكَذَا، إِلَى أَن تَأْكُل.

فَقَالَ: كل معي، فَأكلت مَعَه، فنظفنا الْجَام.

فَلَمَّا أَخَذته لتمضي؛ قلت لَهَا: بِاللَّه، حدثينا بِخَبَر هَذَا الْجَام.

قَالَت: نعم، أَنا جَارِيَة رَئِيس هَذِه الْقرْيَة، وَهُوَ رجل حَدِيد، طلب منا مُنْذُ سَاعَة، فالوذج حَار، فقمنا لنصلحه، وَهُوَ شتاء وَبرد، فَإلَى أَن نخرج الْحَوَائِج، ونعقد الفالوذج، تَأَخّر عَلَيْهِ، فَطَلَبه، فَقُلْنَا: نعم، فَحلف بِالطَّلَاق، أَنه لَا يَأْكُلهُ، وَلَا أحد من أهل دَاره، وَلَا أحد من أهل الْقرْيَة، إِلَّا غَرِيب.

فَأَخَذته، وَجعلت أدور فِي الْمَسَاجِد، إِلَى أَن وجدتكما، وَلَو لم يَأْكُل هَذَا الشَّيْخ؛ لقتلته صفعا، وَلَا تطلق ستي.

فَقَالَ لي الشَّيْخ: كَيفَ ترى، إِذا أَرَادَ أَن يفرج؟

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.