تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كَيْفيَّة إغراء الْعمَّال بِأخذ الْمرَافِق

وَقَالَ: ورد علينا فِي وَقت من الْأَوْقَات، بعض الْعمَّال مُتَقَلِّدًا للأهواز، من قبل السُّلْطَان، فتتبع رسومنا، ورام نقض شَيْء مِنْهَا.

فَكنت أَنا وَجَمَاعَة من التناء فِي الْمُطَالبَة، وَكَانَ فِيهَا ذهَاب غلاتنا فِي تِلْكَ السّنة، لَو تمّ علينا، وَذَهَاب أَكثر قيمَة ضياعنا.

فَقَالَ لي الْجَمَاعَة: لَيْسَ لنا غَيْرك، تَخْلُو بِهِ، وتبذل لَهُ مرفقا، وتكفيناه.

فَجِئْته، وخلوت بِهِ، وبذلت لَهُ مرفقا جَلِيلًا، فَلم يقبله، وَدخلت عَلَيْهِ بالْكلَام من غير وَجه، فَمَا لَان، وَلَا أجَاب.

فَلَمَّا يئست مِنْهُ، وكدت أَن أقوم؛ قلت لَهُ: يَا هَذَا الرجل، أَنْت مُقيم من هَذَا الْأَمر، على خطإ شَدِيد؛ لِأَنَّك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حَيْثُ لَا يحمدك السُّلْطَان، وَلَا تنْتَفع أَنْت أَيْضا بِذَاكَ.

وَمَعَ هَذَا فَأَخْبرنِي، هَل تأمن أَن تكون قد صرفت، وَكتاب صرفك فِي الطَّرِيق، يرد عَلَيْك بعد يَوْمَيْنِ، أَو ثَلَاثَة، فَتكون قد أهلكتنا، وأثمت فِي أمورنا، وفاتك هَذَا الْمرْفق الْجَلِيل، ولعلنا نَحن نكفي، وَيَجِيء غَيْرك، فَلَا يطالبنا، أَو يطالبنا فنبذل لَهُ نَحن هَذَا الْمرْفق، فيقبله، وَيكون الضَّرَر يدْخل عَلَيْك.

فحين سمع هَذَا وَافق، كَأَنَّهُ قد علم من أمره ضعفا بِبَغْدَاد، وتلونا،

وَأَنِّي قد أحسست بانحلال أمره، وَأَن لي بِبَغْدَاد من يكاتبني بالأخبار.

فَأخذ يخاطبني مُخَاطبَة من أَيْن وَقع إِلَيّ هَذَا، فقويته فِي نَفسه، فَأجَاب إِلَى أَخذ الْمرْفق، وَإِزَالَة الْمُطَالبَة.

فَسلمت إِلَيْهِ رِقَاعًا إِلَى الصيارف بِالْمَالِ، وَأخذت مِنْهُ حجَّة بِزَوَال الْمُطَالبَة، فَانْصَرَفت وَقد بلغت مَا أردْت.

فَلَمَّا كَانَ بعد خَمْسَة أَيَّام؛ ورد عَلَيْهِ كتاب الصّرْف، فَدخلت إِلَيْهِ، فَأخذ يشكرني ويخبرني بِمَا ورد عَلَيْهِ، فأوهمته أَنِّي كنت قلت لَهُ ذَلِك عَن أصل، وكفيناه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.