تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك يعِيش ببقايا هبات الْأمين

أَخْبرنِي الصولي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد، قَالَ: كَانَ أبي صديقا للحسين بن الضَّحَّاك، وَكَانَ يعاشره، فَحَمَلَنِي مَعَه يَوْمًا، وَجعل يحادثه، إِلَى أَن قَالَ: يَا أَبَا عَليّ، قد تَأَخَّرت أرزاقك، وانقطعت موادك، ونفقتك كَبِيرَة، فَكيف تمشي أمورك؟ فَقَالَ لَهُ: وَالله يَا أخي، مَا قوام أَمْرِي، إِلَّا ببقايا هبات الْأمين، وهبات جَارِيَته، فَإِنِّي حظيت مِنْهُمَا، بِأَمْر طريف، على غير تعمد.

وَذَلِكَ أَن الْأمين دَعَاني يَوْمًا، فَقَالَ لي: يَا حُسَيْن، إِن جليس الرجل

عشيره وثقته وَمَوْضِع سره وأنسه، وَإِن جاريتي، فُلَانَة، أحسن النَّاس وَجها وغناء، وَهِي مني بِمحل نَفسِي، وَقد كدرت عَليّ صفو الْحَيَاة، ونغصتها عَليّ، بعجبها بِنَفسِهَا، وبتجنيها عَليّ وإدلالها؛ لما تعلمه من حبي لَهَا، وَإِنِّي محضرها، ومحضر صَاحِبَة لَهَا لَيست مِنْهَا فِي شَيْء؛ لتغني مَعهَا، فَإِذا غنت أَوْمَأت إِلَيْك على أَن أمرهَا أبين من أَن يخفى عَلَيْك، فَلَا تستحسن غناءها، وَلَا تشرب عَلَيْهِ، وَإِذا غنت الْأُخْرَى، فَاشْرَبْ، واطرب، وَاسْتحْسن، وشق ثِيَابك، وَعلي بِكُل ثوب مائَة ثوب.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، لأمير الْمُؤمنِينَ.

فَجَلَسَ فِي حجرَة خلوته، وأحضرني، وسقاني أرطالا، فغنت المحسنة، وَقد أَخذ مني الشَّرَاب، فَمَا ملكت نَفسِي أَن استحسنت، وطربت، فَأَوْمأ إِلَيّ، وقطب فِي وَجْهي.

ثمَّ غنت الاخري، فَجعلت أتكلف القَوْل، وأفعله.

ثمَّ غنت المحسنة ثَانِيَة، فَأَتَت بِمَا لم أسمع مثله حسنا قطّ، فَمَا ملكت نَفسِي أَن صحت، وطربت، وشربت، وَهُوَ ينظر إِلَيّ، ويعض شَفَتَيْه غيظا عَليّ، وَقد زَالَ عَقْلِي، فَمَا أفكر فِيهِ، حَتَّى فعلت ذَلِك مرَارًا، وَكلما زَاد شربي، ذهب عَقْلِي.

فَأمر بجر رجْلي وصرفي، وَأمر أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ، فَجَاءَنِي النَّاس يتوجعون لي، ويسألون عَن قصتي، فَقلت: حمل عَليّ النَّبِيذ، فأسأت أدبي، فَمَنَعَنِي من الدُّخُول إِلَيْهِ.

وَمضى لما أَنا فِيهِ شهر، وَقد استمرت عَليّ المحنة.

فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، إِذْ جَاءَتْنِي الْبشَارَة، بِأَنَّهُ قد رَضِي عني، وَأمر بإحضاري، فَحَضَرت، وَأَنا خَائِف، فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ؛ أَعْطَانِي يَده فَقَبلتهَا، فَضَحِك إِلَيّ، ثمَّ قَامَ وَقَالَ: اتبعني.

فتبعته، فَدخل تِلْكَ الْحُجْرَة بِعَينهَا، وَلم يحضر غَيْرِي وَغَيره وَغير المحسنة، الَّتِي نالني من أجلهَا مَا نالني، وأحضر الشَّرَاب، فغنت، فسكتّ.

فَقَالَ: قل مَا شِئْت، وَلَا تخف، فَلَقَد خار الله لَك فِي خلافي، وَجرى الْقدر بِمَا تحب.

اعْلَم أَن هَذِه الْجَارِيَة، عَادَتْ إِلَى الْحَال الَّتِي أحبها مِنْهَا، وأرضتني فِي أفعالها، واصطلحنا، فأذكرتني بك، وَسَأَلتنِي الرِّضَا عَنْك، وَالْإِحْسَان إِلَيْك، وَقد فعلت، وَأمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِينَار، ووصلتك هِيَ بِدُونِ ذَلِك، وَلَو كنت فعلت مَا أَمرتك، حَتَّى تعود إِلَى مثل هَذِه الْحَال، ثمَّ تحقد عَلَيْك، فتسألني أَن لَا تصل إِلَيّ قطّ، لأجبتها.

فدعوت لَهُ، وشكرته، وحمدت الله على توفيقه إيَّايَ، وزدت فِي الِاسْتِحْسَان وَالسُّرُور إِلَى أَن انصرفت، وَحمل معي المَال.

فَمَا كَانَ يمْضِي أُسْبُوع إِلَّا أَتَتْنِي ألطافها، وصلاتها، من الْجَوْهَر وَالثيَاب، بِغَيْر علم الْأمين.

وَمَا جالسته يَوْمًا، إِلَّا سَأَلته أَن يصلني بِشَيْء.

فَجَمِيع مَا أنفقهُ إِلَى السَّاعَة، من فضل مَا وصلني مِنْهَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.