تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْمَأْمُون يهب أحد كِتَابه اثْنَي عشر ألف ألف دِرْهَم

وجدت فِي كتاب عَتيق، فِيهِ أَخْبَار جمعهَا يَعْقُوب بن بَيَان الْكَاتِب: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن دَاوُد بن الْجَعْد، قَالَ: حَدثنِي يزِيد بن دِينَار بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن يحيى بن خاقَان]، قَالَ: كنت كَاتب الْحسن بن سهل، فَقدم الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام، فَقَالَ لي: يَا يحيى، خلوت بِالسَّوَادِ، ولعبت بالأموال الَّتِي لي، واحتجنتها، واقتطعتها.

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا أَنا كَاتب الرجل، والمناظرة فِي الْأَمْوَال والأعمال، مَعَ صَاحِبي، لَا معي.

فَقَالَ: مَا أطالب غَيْرك، وَلَا أعرف سواك، فصالحني على مائَة ألف ألف دِرْهَم.

قَالَ: فَضَحكت.

فَقَالَ: يَا يحيى، أجد وتهزل؟ فَقلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا ضحِكت تَعَجبا، وَبِاللَّهِ، مَا أملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم.

فَقَالَ: دع هَذَا عَنْك، واعطني خمسين ألف ألف دِرْهَم.

قَالَ: فَمَا زلت أجاذبه، ويجاذبني، إِلَى أَن بلغ اثْنَا عشر ألف ألف دِرْهَم، فَلَمَّا بلغ إِلَيْهَا؛ قَالَ: نفيت من الرشيد، إِن نقصتك شَيْئا مِنْهَا.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

قَالَ: أقِم لي ضمينا، إِن لم تف لي بهَا؛ طالبته.

قلت: صَاحِبي، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، يضمنني.

فَقَالَ: أَترَانِي إِن دافعت الْأَدَاء، أطالب الْحسن بن سهل عَنْك؟ هَذَا مَا لَا يكون.

فَقلت: عبد الله بن طَاهِر؟ فَقَالَ: عبد الله بن طَاهِر، سَبيله سَبِيل صَاحبك.

قلت: فحميد؟ قَالَ: وَهَذِه سَبيله.

قلت: فَفرج مَوْلَاك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.

قَالَ: مَلِيء، وَالله، وثقة، ثمَّ الْتفت إِلَى فرج، فَقَالَ: أتضمنه يَا فرج؟ قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد ضمنته.

فَقَالَ: أَنا، وَالله، محرجه بالإلحاح فِي الْمُطَالبَة، حَتَّى يهرب، أَو يسْتَتر، ثمَّ آخذك بِالْمَالِ، فتؤديه، فَإنَّك ملي بِهِ.

فَقَالَ فرج: صَاحِبي ثِقَة، وَهُوَ لَا يخفرني، إِن شَاءَ الله.

قَالَ يحيى: فَكتبت إِلَى الْحسن بن سهل، وَعبد الله بن طَاهِر، وَحميد،

ودينار بن عبد الله، وغسان، وَرِجَال الْمَأْمُون، أسألهم إعانتي فِي المَال.

قَالَ: فحملوا لي ذَلِك عَن آخِره، حمل كل إِنْسَان مِنْهُم، على قدره، قَالَ يحيى: فَكتبت رقْعَة إِلَى الْمَأْمُون، أعرفهُ أَن المَال قد حضر، وأسأله أَن يَأْمر من يقبضهُ.

قَالَ: فأحضرني، فَلَمَّا وَقعت عينه عَليّ؛ قَالَ لي: يَا خائن، الْحَمد لله الَّذِي بَين لي خِيَانَتك، وَأظْهر لي كَذبك، ألم تذكر أَنَّك لَا تملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم؟ فَكيف تهَيَّأ لَك أَن حملت فِي عشرَة أَيَّام اثْنَي عشر ألف ألف دِرْهَم؟ قَالَ: فَقلت: حُمِلَتْ، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من هَذِه الجريدة، وَدفعت إِلَيْهِ جَرِيدَة بأسماء من حمل إِلَيّ المَال، ومبلغ مَا حمل كل وَاحِد مِنْهُم.

قَالَ: فَقَرَأَ الجريدة، ثمَّ أطرق مَلِيًّا، وَرفع رَأسه، فَقَالَ: لَا يكون أَصْحَابنَا، أَجود منا، هَذَا المَال قد وهبناه لَك، وأبرأنا ضمينك.

قَالَ يحيى: فَانْصَرَفت، فَرددت المَال إِلَى أَصْحَابه، فَأَبَوا أَن يقبلوه، وَقَالُوا: قد وهبناه لَك، فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْت.

قَالَ: فَحَلَفت أَن لَا أقبل مِنْهُ درهما، وَقلت لَهُم: أَخَذته فِي وَقت حَاجَتي، ورددته عِنْد استغنائي عَنهُ وقبولي إِيَّاه فِي هَذَا الْوَقْت ضرب من التغنم.

فرددته عَلَيْهِم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.