تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

غَرِيب الدَّار لَيْسَ لَهُ صديق

ذكر عَن رجل كَانَ بِالْبَصْرَةِ، أَنه كَانَ ذَا يسَار، وتغيرت حَاله، فَخرج عَن الْبَصْرَة، ثمَّ عَاد إِلَيْهَا وَقد أثرى، فَجعل يحدث بألوان لقيها إِلَى أَن قَالَ: تَغَيَّرت حَالي، إِلَى أَن دخلت بَغْدَاد، غَرِيبا، سليبا، لَا أهتدي إِلَى مَذْهَب وَلَا حِيلَة.

قَالَ: فَجعلت أسأَل: أَيْن السُّوق؟ أَيْن الطَّرِيق؟ إِلَى أَن ضجرت، فَقلت وَأَنا مكروب:

غَرِيب الدَّار لَيْسَ لَهُ صديقجَمِيع سُؤَاله أَيْن الطَّرِيق؟
تعلق بالسؤال بِكُل صقعكَمَا يتَعَلَّق الرجل الغريق

وَجعلت أردد ذَلِك وأمشي، وَإِذا بِرَجُل مشرف من منظر، فَقَالَ لي:

ترفق يَا غَرِيب فَكل عبدتطيف بِحَالهِ سَعَة وضيق
وكل مُصِيبَة تَأتي ستمضيوَإِن الصَّبْر مسلكه وثيق

فخف مَا بِي، وَرفعت رَأْسِي إِلَيْهِ، وَسَأَلته عَن خَبره.

فَقَالَ: اصْعَدْ إِلَيّ أحَدثك، فَصَعدت إِلَيْهِ.

فَقَالَ: وَردت هَذَا الْبَلَد، وَأَنا غَرِيب، فتحيرت، وَالله، كتحيرك،

إِلَى أَن مَرَرْت بِهَذِهِ الغرفة، فَأَشْرَف عَليّ رجل كَانَ فِيهَا، لَا أعرفهُ، فَقَالَ لي: اصْعَدْ.

فَصَعدت، فأسكننيها، ثمَّ تقلبت بِي الْأَحْوَال، فابتعت الدَّار، وأثريت، وَأَنا أتبرك بهَا، وأجلس فِيهَا كثيرا، فلعلها أَن تكون مباركة عَلَيْك أَيْضا، فَإِن لي فِيمَا سواهَا من الدّور، مسَاكِن تجذبني.

فَفعلت، وَأَقْبَلت أحوالي، واحتجت إِلَى الاتساع، فانتقلت عَنْهَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.