تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج ينْتَقل من ضعف الْحَال إِلَى ملك مصر

وجدت فِي بعض الْكتب: حدث أَبُو الطّيب بن الْجُنَيْد، الَّذِي كَانَ صاحبا لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، وَكَانَ قبل ذَلِك جارا لِأَبِيهِ أبي الْقَاسِم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج بن جف ينزل قَدِيما بِالْقربِ من مَنَازلنَا بِبَغْدَاد، يقصر فرج، وَكَانَ رَقِيق الْحَال، ضَعِيفا جدا.

وَكَانَ لَهُ على بَاب دويرته، دكان يجلس عَلَيْهَا دَائِما، ودابته مشدودة

إِلَى جَانبهَا، وَهُوَ يراعيها بالعلف وَالْمَاء بِنَفسِهِ.

وَكَانَ لَهُ رزق سلطاني يسير، يتَأَخَّر عَنهُ أبدا، فَلَا يقبضهُ إِلَّا فِي الْأَحَايِين.

وَكَانَ شَدِيد الاختلال، ظَاهر الْفقر، وَكَانَ لَهُ عدَّة بَنَات لَا ذكر فِيهِنَّ.

وَكَانَ يجتاز بِهِ أَبُو الْقَاسِم يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، أَو أحد ابنيه، أَبُو الْحسن، وَأَبُو جَعْفَر، فَيقوم قَائِما، وَيظْهر التَّعَبُّد لَهما، وَلَا يزَال وَاقِفًا إِلَى أَن يبعدا عَنهُ.

وَكنت رُبمَا جَلَست إِلَيْهِ، فيأنس بِي ويحدثني، ويشكو بثه، وَمَا يقاسيه من كَثْرَة العائلة، وضيق الْحَال.

وَيَقُول: لَيْت كَانَ لي، فِيمَا رزقته من الْوَلَد، ذكر وَاحِد، فَكنت أتعزى بِهِ قَلِيلا، ويخف بالرجاء لَهُ، وَالسُّرُور بِهِ، بعض كربي وهمي بهؤلاء الْبَنَات.

قَالَ أَبُو الطّيب: وَضرب الدَّهْر من ضربه، وتقلب من تقلبه، وَطَالَ الْعَهْد بِابْن طغج، وَخرج فِي جملَة تَجْرِيد جرد إِلَى الشَّام، وأنسيناه، وترجمت بِهِ الظنون، وترامت بِهِ الْأَحْوَال، حَتَّى بلغ أَن يُقَلّد مصر وأعمالها، وَكَانَ من علو شَأْنه، وارتفاع ملكه، وَحُصُول الْأَمر لَهُ، ولولده من بعده، مَا كَانَ، مِمَّا هُوَ مَشْهُور.

وَكَانَ قد طَرَأَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة أحد التُّجَّار الواسعي الْأَحْوَال، من جوارنا، مِمَّن كَانَ يعرف ابْن طغج على تِلْكَ الْأَحْوَال الأول، فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين،

عَاد الرجل إِلَى الحضرة، فحدثنا بِعظم أَمر ابْن طغج، واتساع ملكه.

وَقَالَ: رَأَيْته غير الرجل الَّذِي كُنَّا نعرفه، مكانة، ورجاحة، وَحين رَآنِي قربني وأكرمني، وَمَا زَالَ مُسْتَبْشِرًا بِي، يحادثني وأحادثه، ويسألني عَن وَاحِد وَاحِد، من بني شيرزاد، وَغَيرهم من الْجِيرَان، وَأَنا أخبرهُ.

حَتَّى قَالَ فِي بعض قَوْله: الْحَمد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأُمُور، مَا شَاءَ فعل، يَا فلَان، أَلَسْت ذَاكِرًا مَا كنت فِيهِ بِبَغْدَاد، من تِلْكَ الْأَحْوَال الخسيسة، وَمَا كنت أُلَاقِي من الشدَّة، والفقر، والفاقة، وَالْغَرَض بالعيش، والهم بأولئك الْبَنَات؟ قلت: نعم، يَا سَيِّدي.

قَالَ: وَالله لقد كنت أَتَمَنَّى وأسأل الله أَن يَرْزُقنِي ابْنا، فَكلما اجتهدت فِي ذَلِك جَاءَتْنِي ابْنة، حَتَّى تكاملن فِي بَيْتِي عشرا.

وَكنت أَتَمَنَّى مُنْذُ سنّ الحداثة أَن أرزق دَابَّة أبلق، واستشعر أَنِّي إِذا ركبت ذَلِك؛ فقد حصلت لي كل فَائِدَة ونعمة؛ لشدَّة شهوتي لَهَا، فَمَا سهل الله لي مَا طلبته من هَذَا الْبَاب أَيْضا شَيْئا.

وتكهلت، وعلت سني، وَأَنا على تِلْكَ الْأَحْوَال.

وَضرب الدَّهْر ضربه، وَخرجت من بَغْدَاد، فابتدأ الإقبال يَأْتِي، والإدبار ينْصَرف.

وَكَانَ الله، تَعَالَى، يَرْزُقنِي فِي كل سنة ابْنا، وَيقبض عني ابْنة، حَتَّى مَاتَ الْبَنَات كُلهنَّ، وَنَشَأ لي هَؤُلَاءِ البنون، وَأَوْمَأَ إِلَى أَحْدَاث بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ الطواويس حسنا وجمالا.

ثمَّ قَالَ: وملكت من الْخَيل الْعتاق والبراذين وَالْبِغَال وَالْحمير البلق، مَا لم يملك أحد مثله، وَلَا اجْتمع لأحد مَا يُقَارِبه، وَأكْثر من أَن يُحْصى، وَصَارَ لغلمان غلماني الكراع الْكثير، فَقُمْ بِنَا حَتَّى ندخل الإصطبلات، فتشاهدها، وتعجب.

فَأخذ بيَدي، ومشينا حَتَّى دَخَلنَا إِلَى إصطبل البلق، فَمَا أَشك، أَنا عددنا من صنوف الدَّوَابّ البلق أَكثر من خمس مائَة رَأس، ثمَّ ضجرنا، وَمَا زلنا نجتاز فِي الإصطبل سنة سنة.

فَيَقُول: هَذَا إصطبل الفلانيات، وَهُوَ يسْأَل صَاحب كراعه، كم فِي هَذَا؟ فَيَقُول: فِي هَذَا خمس مائَة، وَفِي هَذَا أَربع مائَة، وَنَحْو ذَلِك.

ثمَّ عدنا إِلَى الْمجْلس، وَقد أبهجني مَا رَأَيْت، وَهُوَ يحمد الله على تفضله وإحسانه، ولازمته، وَمَا فَارَقت دَاره حَتَّى قضيت حوائجي، ونفعني، وَأحسن إِلَيّ، وَمَا قصر، وعدت إِلَى الشَّام مكرما.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.