تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كَيفَ طهر عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة من الْغناء

أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي بن أبي الْعَلَاء، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة الحرامي الْأَكْبَر، قَالَ: لما قدم عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة واليا عَلَيْهَا؛ قَالَ لَهُ قوم من وُجُوه النَّاس: قد وليت الْمَدِينَة على كَثْرَة من الْفساد، فَإِن كنت تُرِيدُ أَن تصلح، فطهرها من الْغناء والزناء.

فصاح فِي ذَلِك، وَأجل أَهله ثَلَاثًا، يخرجُون فِيهَا من الْمَدِينَة.

وَكَانَ ابْن أبي عَتيق غَائِبا، وَكَانَ من أهل الْفضل والعفاف وَالصَّلَاح، فَلَمَّا كَانَ فِي آخر لَيْلَة من الْأَجَل؛ قدم.

فَقَالَ: لَا أَدخل منزلي حَتَّى أَدخل على سَلامَة القس.

فَقَالَ لَهَا، وَقد دخل عَلَيْهَا: مَا دخلت منزلي، حَتَّى جِئتُكُمْ أسلم عَلَيْكُم.

قَالُوا: مَا أغفلك عَن أمورنا، فأخبروه الْخَبَر.

فَقَالَ: اصْبِرُوا لي اللَّيْلَة.

فَقَالُوا: نَخَاف أَن لَا يمكنك شَيْء، ونؤذى.

فَقَالَ: إِن خِفْتُمْ شَيْئا؛ فاخرجوا فِي السحر.

ثمَّ خرج، وَاسْتَأْذَنَ على عُثْمَان بن حَيَّان، فَأذن لَهُ، فَسلم عَلَيْهِ، وَذكر غيبته، وَأَنه جَاءَ ليقضي حَقه، ثمَّ جزاه خيرا على مَا فعل من إِخْرَاج أهل الْغناء والزناء.

وَقَالَ: أَرْجُو أَن لَا تكون عملت عملا، هُوَ خير لَك من ذَلِك.

قَالَ عُثْمَان: قد فعلت مَا بلغك، وَأَشَارَ عَليّ بِهِ أَصْحَابك.

قَالَ: قد وفقت، وَلَكِن مَا تَقول، يَرْحَمك الله، فِي امْرَأَة كَانَت هَذِه صناعتها، ثمَّ تركتهَا، وَأَقْبَلت على الصّيام وَالصَّدَََقَة وَالْخَيْر، وَإِنِّي رسولها إِلَيْك، تَقول: أتوجه إِلَيْك، وَأَعُوذ بك أَن تخرجني من جوَار رَسُول الله، ﷺ، وَمن مَسْجده.

فَقَالَ: إِنِّي أدعها لَك ولكلامك.

فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: لَا يدعك النَّاس، وَلَكِن تَأْتِيك، وَتسمع كَلَامهَا، وَتنظر إِلَيْهَا، فَإِن رَأَيْت أَن مثلهَا يسع أَن تتْرك، تركتهَا.

قَالَ: نعم.

فَجَاءَهُ بهَا، وَقَالَ لَهَا: احملي مَعَك سبْحَة، وتخشعي، فَفعلت.

فَلَمَّا دخلت على عُثْمَان؛ حدثته، فَإِذا هِيَ من أعلم النَّاس بِأُمُور النَّاس، فأعجب بهَا، وحدثته عَن آبَائِهِ وأمورهم ففكه لذَلِك.

فَقَالَ لَهَا ابْن أبي عَتيق: اقرئي للأمير، فَقَرَأت.

فَقَالَ لَهَا: احدي لَهُ، فَفعلت، فَكثر عجبه بهَا.

فَقَالَ: كَيفَ لَو سَمعتهَا فِي صناعتها، فَلم يزل ينزله شَيْئا شَيْئا، حَتَّى أمرهَا بِالْغنَاءِ، فَقَالَ لَهَا ابْن أبي عَتيق، غَنِي:

سددن خصاص الْبَيْت لما دخلنهبِكُل لبان وَاضح وجبين

فغنته، فَقَامَ عُثْمَان بن حَيَّان، فَقعدَ بَين يَديهَا، ثمَّ قَالَ: لَا وَالله، مَا مثل هَذِه تخرج.

فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: لَا يدعك النَّاس، يَقُولُونَ: أقرّ سَلامَة، وَأخرج غَيرهَا.

فَقَالَ: دعوهم جَمِيعًا، فتركوهم.

وَأصْبح النَّاس يتحدثون بذلك، يَقُولُونَ: كلم ابْن أبي عَتيق الْأَمِير فِي سَلامَة القس، فتركوا جَمِيعًا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.