تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْوَزير ابْن مقلة ينكب رجلا ثمَّ يحسن إِلَيْهِ

حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن سُلَيْمَان بن فَهد، ﵀، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الخباز، قَالَ: كَانَ أَبُو عَليّ بن مقلة نكبني، وصادرني لشَيْء كَانَ فِي نَفسه عَليّ، فأفقرني، حَتَّى لم يدع لي شَيْئا على وَجه الأَرْض.

وأطلقني من الْحَبْس، فلزمت بَيْتِي حَزينًا، فَقِيرا يتَعَذَّر عَليّ الْقُوت.

ثمَّ لم أجد بدا من الِاضْطِرَاب فِي معاشي، فأشير عَليّ أَن ألزم ابْن مقلة وأستعطفه، وَقيل لي: إِنَّه إِذا نكب إنْسَانا فخدمه؛ رق عَلَيْهِ.

قَالَ: فَلَزِمته مديدة، لَا أرَاهُ يرفع إِلَيّ رَأْسا، وَلَا يذكرنِي.

قَالَ: وَكَانَ يعرفنِي بِحسن الثِّيَاب ونظافتها، والتفقد فِي أَمر نَفسِي، أَيَّام يساري.

وَاتفقَ أَنِّي حضرت دَاره فِي يَوْم جُمُعَة غدْوَة، وَلم أكن دخلت الْحمام قبل ذَلِك بأسبوع، وَلَا حلقت شعري، وَلَا غيرت ثِيَابِي، وَأَنا وسخ الْجَسَد وَالثيَاب، طَوِيل الشّعْر، وَإِنَّمَا أخرت ذَلِك؛ لإضاقتي عَن مِقْدَار مَا أحتاج إِلَيْهِ، ولشغل قلبِي أَيْضا وغمي بالفقر المدقع الَّذِي دفعت إِلَيْهِ، وهوان نَفسِي عَليّ.

فَخرج ابْن مقلة ليركب، فَقُمْت إِلَيْهِ فِي جملَة النَّاس، فدعوت لَهُ.

فحين رَآنِي، تأملني طَويلا، ثمَّ أَوْمَأ إِلَى خَادِم لَهُ بِكَلَام لَا أفهمهُ، وَركب.

فَجَاءَنِي الْخَادِم، فَقَالَ: الْوَزير يَأْمُرك أَن لَا تَبْرَح من الدَّار، إِلَى أَن يعود، وأخذني إِلَى حجرَة، فأجلسني فِيهَا.

فَقَامَتْ قيامتي، وَخفت أَن يكون قدر أَن تكون لي بَقِيَّة حَال، وَيُرِيد الرُّجُوع عَليّ بالمطالبة، وَلَيْسَ ورائي شَيْء، فأتلف.

فتداخلني من الْجزع أَمر عَظِيم، وحصلت فِي شدَّة كَانَت أَشد عَليّ مِمَّا مر بِي، فَلم يكن بأسرع من أَن عَاد.

فَجَاءَنِي الْخَادِم، فَقَالَ: قُم إِلَى الْوَزير، فقد طَلَبك.

فَجئْت، حَتَّى دخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ خَال وَحده، وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ غير أبي الْحُسَيْن، ابْنه، فَرَحَّبَ بِي، وأكرمني، وَرَأَيْت من بره مَا زَالَ عني مَعَه الْخَوْف.

ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَليّ، أعرفك نظيف الثَّوْب، حسن الْقيام على نَفسك، فَلم أَنْت بِهَذِهِ الصُّورَة؟ قَالَ: ففطنت أَنه لما رَآنِي على صُورَتي تِلْكَ؛ رق لي.

فَقلت: أَيهَا الْوَزير، لم يبْق لي، وَالله، حَال، وَإنَّهُ ليتعذر عَليّ مَا أغير بِهِ هَذَا الْمِقْدَار من أَمْرِي، وَفتحت أَبْوَاب الشكاية، إِلَى أَن بَكَيْت.

فَقَالَ: إِنَّا لله، إِنَّا لله، مَا ظَنَنْت أَن حالك بلغت إِلَى هَذَا، وَلَقَد أسأنا إِلَيْك.

قَالَ: ثمَّ مد يَده إِلَى الدواة، فَكتب لي على الجهبذ، بِأَلف دِينَار صلَة، وَوَقع توقيعا آخر، بِأَن أبايع ضَيْعَة من الْمَبِيع بألفي دِينَار، بِحَيْثُ أخْتَار ذَلِك، ثمَّ قَالَ: خُذ هَذِه الدَّنَانِير فاتجر بهَا، وَأصْلح مِنْهَا حالك، وابتع بِهَذِهِ الألفي دِينَار ضَيْعَة من الْمَبِيع، تغل لَك ألف دِينَار فِي السّنة، واخترها وشاور فِيهَا، فَإِذا وَقع اختيارك عَلَيْهَا؛ فأسمها لي؛ لأكتب بمبايعتك إِيَّاهَا؛ لتستكفي بغلتها سنتك، إِلَى أَن أنظر لَك بعد هَذَا، فأرد جاهك، فشكرته ودعوت لَهُ، ونهضت.

فَقَالَ: قف، فوقفت.

فَقَالَ لِابْنِهِ أبي الْحُسَيْن: بحياتي عَلَيْك، عاون أَبَا عَليّ حَتَّى يحصل لَهُ هَذَا كُله فِي أُسْبُوع، وَفِي دفْعَة وَاحِدَة، وَلَا ينمحق عَلَيْهِ.

قَالَ: فوعدني أَبُو الْحُسَيْن بذلك، وَأَمرَنِي بالمصير إِلَيْهِ، فَانْصَرَفت.

ورحت إِلَى أبي الْحُسَيْن، فَأَعَانَنِي، فَحصل ذَلِك كُله لي فِي أَيَّام قَليلَة، وحصلت لي الضَّيْعَة، فاستغللتها فِي تِلْكَ السّنة ألف دِينَار.

ولزمت أَبَا عَليّ، فعوضني بمكاسب جليلة، عَاد إِلَيّ مِنْهَا أَكثر مِمَّا خرج عَن يَدي بنكبته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.