من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
٢٦٨ سَبَب تَوْبَته عَن النَّبِيذ
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، وَعبيد الله بن مُحَمَّد العبقسي، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَا: حَدثنَا أَبُو الْفَتْح الْقطَّان: أَن رجلا من أَوْلَاد التُّجَّار، زَالَت نعْمَته، وَصَارَ بوابا لأبي أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى الموسوي الْعلوِي، نقيب الطالبيين، أيده الله، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي خَالِي، وَكَانَ صيرفيا، قَالَ: كنت وَجَمَاعَة من إخْوَانِي، عِنْد بَعْضنَا مُجْتَمعين نشرب، وَعِنْدنَا غُلَام أَمْرَد، وَنحن نَأْكُل بطيخا، وَفِي يَد كل وَاحِد منا سكينا.
فَأخذ الْغُلَام يمزح مَعَ وَاحِد منا فِي يَده سكين؛ ليأخذها مِنْهُ، فَرمي بالسكين، كالضجر من مجاذبته إِيَّاهَا، فَوَقَعت فِي قلب الْغُلَام، فَتلف فِي الْحَال، فقمنا لنهرب.
فَقَالَ صَاحب الْبَيْت: مَا هَذِه فتوة، إِمَّا أَن نبتلى كلنا، أَو نتخلص كلنا.
فأغلقنا بَاب الدَّار، وشققنا بطن الْغُلَام، فألقينا مَا فِيهِ فِي المستراح، وفصلنا أعضاءه، فَأخذ كل منا عضوا، وَخَرجْنَا مُتَفَرّقين؛ لنلقي ذَلِك بِحَيْثُ يخفى خَبره.
فَوَقع معي الرَّأْس، فلففته فِي فوطة، وَجَعَلته فِي كمي.
فَلَمَّا مشيت؛ استقبلني رجالة الْمُحْتَسب، فقبضوا على كمي، وَقَالُوا: قد أمرنَا الْمُحْتَسب بِخَتْم كل كيس نجده، حَتَّى يفتح بِحَضْرَتِهِ، وَيخرج مَا فِيهِ، وَتُؤْخَذ مِنْهُ الزائفة.
فرفقت بهم، وبذلت لَهُم دَارهم كَثِيرَة، فَلم يجيبوا، وَمَشوا بِي مَعَهم، وأمسكوني يُرِيدُونَ الْمُحْتَسب.
فَنَظَرت، فَإِذا أَنا هَالك، وفكرت فِي الْحِيلَة والخلاص، فَلم تتجه، حَتَّى رَأَيْت دربا ضيقا لطيف الْبَاب، كَأَنَّهُ بَاب دَار وَأَنا أعرفهُ منفذا.
فَقلت لَهُم: أَنْتُم تُرِيدُونَ ختم كيسي، فَمَا معنى تشبثكم بيَدي وكمي كَأَنِّي لص؟ أَنا مَعكُمْ إِلَى الْمُحْتَسب، فَخلوا عَن يَدي، فَفَعَلُوا، وأطافوا بِي.
فَلَمَّا صرت على بَاب الدَّرْب؛ سعيت، وأغلقت بَابه، واستوثقت مِنْهُ، وسعيت إِلَى آخِره، فَإِذا بِئْر كنيف قد فتحت لتنقى، وَتركت مَفْتُوحَة، فألقيت الفوطة بِمَا فِيهَا فِي الْبِئْر، وَخرجت أسعى من طرف الدَّرْب الآخر، حَتَّى بلغت منزلي، وحمدت الله، تَعَالَى، على الْخَلَاص من الهلكة، وتبت عَن النَّبِيذ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع